الجمعة، 3 أبريل 2009

عمليات المقاومة الفردية في فلسطين رسالة في اتجاهين


بقلم: محمد أبو علان:
في ظل التراجع الذي تشهده المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين شهدت الضفة الغربية العديد من العمليات الفردية ضد الاحتلال تراوحت أدواتها بين عمليات الدهس وبين عمليات الطعن بالسكاكين، والضرب بالفؤوس كما كان في العملية الأخيرة في مستوطنة "بت عين" بالقرب من مدينة الخليل والتي قتل فيها مستوطن وجرح آخر، وتمكن الفدائي الفلسطيني من الهرب من ساحة العملية رغم الإجراءات الأمنية في محيط المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين.
رغم محدودية العمليات الفردية في مقاومة الاحتلال وعدم تحولها لظاهرة واسعة الانتشار إلا أنها تعنى الكثير على المستوى الوطني الفلسطيني، وأول ما تعنيه قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بأبسط السبل والوسائل المتاحة له، وتجاوز التنظيمات الفلسطينية التي باتت في معظمها تسعى لتحقيق مكاسب تنظيمية على حساب القضية الوطنية الفلسطينية، وغياب مقاومة الاحتلال عن أجندتها السياسية منذ سنوات.
كما أن هذا النمط من عمليات المقاومة ضد الاحتلال تشكل معضلة أمنية كبيرة لأجهزته الأمنية، كون أجهزته المخابراتيه لا تستطيع كشفها بشكل مسبق أو حتى توقعها كما كانت الحال في الكثير من عمليات المقاومة التي كانت تحبط قبل وقوعها نتيجة اختراق أمني، أو فشل في عملية التخطيط كون العملية مرتبطة بعدد من الأشخاص قد يقع أيٍ منهم في خطأ قاتل.
هذا الواقع المتجدد على المقاومة الوطنية الفلسطينية جاء بعد أن كانت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي قد رفضن بشكل مطلق اتفاقيات أوسلو ، وقطعن العهد بالعمل على إسقاطه عبر المقاومة المُسلحة للاحتلال، وقد شهدت مرحلة ما بعد أوسلو تحول نوعي بنمط المقاومة المُسلحة الفلسطينية عبر العمليات الاستشهادية والتي ضربت الاحتلال بقوة وأسقطت مئات القتلى من المدنيين والعسكريين الإسرائيليين، ولم تقتصر هذه العمليات على تنظيم دون غيره، ومنها حركة فتح التي كانت قيادتها السياسية من أولى المساهمين في توقيع اتفاقيات أوسلو والداعمين لها فيما بعد ، وبات العمل المسلح أشبه بالسباق في حينه بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني لضرب الاحتلال بكل موقع تمكن الفدائيون الفلسطينيون الوصول إليه، وكانت هذه العمليات الاستشهادية كافية لدفن اتفاقيات أوسلو بغض النظر عن تعدد الرؤى حول من يتحمل المسئولية المباشرة لدفن هذه الاتفاقيات أهو الاحتلال أم العمليات الاستشهادية.
وإن كانت بداية التسعينات شهدت نقله نوعية في المقاومة المسلحة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، يمكن اعتبار أيار 2005 بداية التراجع الرسمي لهذه المقاومة وذلك بعد هدنة القاهرة التي أعلنتها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي من طرف واحد استعداداً للانتخابات التشريعية الثانية التي لم تقاطعها غير حركة الجهاد الإسلامي، هذا إلى جانب عوامل أخرى أثرت على استمرار المقاومة الفلسطينية المُسلحة منها الضربات التي تعرضت لها القيادات الميدانية للانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) من قبل قوات الاحتلال، وتخلي بعض الفصائل فعلياً عن المقاومة نتيجة تربع بعض القيادات السياسية على عرشها، وسعي هذه القيادات لحماية نفسها ومواقعها القيادية على حساب البرامج الكفاحية لتنظيماتها، وكان لدخول حركة حماس اللعبة السياسية الفلسطينية الدور الأكبر في تراجع المقاومة الوطنية المسلحة كونها تخلت عن هذه المقاومة بشكل فعلي في الضفة الغربية، وأبقتها في غزة لأهداف ومقاصد سياسية فقط.
وكنتاج لهذا الحال جاء عمليات المقاومة الفردية ضد الاحتلال لتوجه رسالتها باتجاهين، الأول هي للاحتلال الإسرائيلي ولسان حالها يقول أن المقاومة ضد الاحتلال ستستمر ما استمر هذا الاحتلال على أرض فلسطين، وحالة الضعف هذه للمقاومة ما هي إلا حالة من حالات الجزر والتي ستستعيد قوتها يوماً ما لتعيش حالة المد الجديد للمقاومة.
والرسالة الثانية للداخل الفلسطيني (بشقيه الساعي لهدنة مع الاحتلال أو الطامح بالسلام معه) الذي عليه أن يقرأها جيداً ويعمل أصحاب القرار فيه وقادة العمل الوطني معاً في مواجهة الاحتلال بشتى السبل الممكنة حتى نيل الشعب الفلسطيني لحريته، وتوحيد الصف الوطني هو المطلب الأول لهذه المواجهة مع الاحتلال، فكما قيل سابقاً "كلما قل عدد الرصاصات الموجهة لصدر العدو، زاد عدد الرصاصات الموجهة لصدورنا".
moh-abuallan@hotmail.com

الأربعاء، 1 أبريل 2009

التوعية الانتخابية في المدارس نمط من التوعية الانتخابية المبكرة في فلسطين


بقلم:محمد أبو علان:


يندرج "مشروع التوعية الانتخابية في المدارس 2009 " والذي بدأت بتنفيذه لجنة الانتخابات المركزية في جزء من مدارس الضفة الغربية( حكومية وخاصة ووكالة) في التاسع والعشرون من شهر آذار الماضي ويستمر تنفيذه حتى السابع من أيار 2009، تحت إطار مهام وصلاحيات لجنة الانتخابات المركزية في نشر الوعي الانتخابي في المجتمع الفلسطيني بشكل عام وبين جيل الشباب بشكل خاص،
وجاء هذا المشروع من منطلق أن التوعية ونشر الثقافة الانتخابية من المهام الأساسية للجنة الانتخابات المركزية في فلسطين حددتها لها القوانين المعمول بها في مجال الانتخابات العامة والمحلية ، وتشمل عملية التوعية الانتخابية تعريف الناخبين بالقوانين والإجراءات التي تحكم العمليات الانتخابية بنوعيها، وتعريفهم كذلك بكافة مراحل العملية الانتخابية ومتطلبات كل مرحلة من هذه المرحلة.
وفي هذا الإطار نفذت لجنة الانتخابات المركزية سلسلة طويلة من حملات التوعية الانتخابية قبل كل مرحلة من مراحل العمليات الانتخابية السابقة، وكانت أولى هذه الحملات تلك التي نفذت في شهر آب 2004 قُبيل بدء أول عملية تسجيل ناخبين والتي كانت في الرابع من أيلول 2004.
وكان لتراكم الخبرات لدى لجنة الانتخابات المركزية في موضوع التوعية الانتخابية دور كبير في التفكير بتوسيع عمليات التوعية والتثقيف، والبدء باستهداف شرائح جديدة من غير جمهور الناخبين لما لهذا النمط من التوعية دور في تعزيز الوعي الانتخابي وتعزيز المفاهيم والقيم الديمقراطية ً خاصة بين الأجيال الناشئة على اعتبار أن ممارسة الحياة الديمقراطية موضوع مستجد على الحياة السياسية للشعب الفلسطيني نتيجة الظروف السياسية التي عاشها ولا يزال يعيشها بسبب الاحتلال الإسرائيلي.
فكانت أولى الأنشطة في مجال توسيع نطاق حملات التوعية الانتخابية في صيف العام 2007 عبر استهداف المشاركين في إحدى وعشرون مخيماً صيفياً في كافة محافظات الضفة الغربية، وحمل مشروع التوعية الانتخابية في حينه اسم " انتخاب القيادات الشابة في المخيمات الصيفية 2007 "، وتم خلال هذا المشروع محاكاة كاملة للعملية الانتخابية بكافة مراحلها بدءً بعملية تسجيل الناخبين مروراً بعملية الترشح وحملات الدعاية الانتخابية وانتهاءً بعملية الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، وكان هناك تفاعل كبير من الطلبة المشاركين في المخيمات الصيفية، وكان لآلية العمل مع المشاركين في المخيمات الصيفية دور في تحفيزهم للمشاركة الفاعلة، حيث تم تشكيل لجنة انتخابات للمخيم الصيفي والتي تولت بنفسها تنفيذ كافة مراحل المحاكاة للعملية الانتخابية بإشراف منشطي المخيمات الصيفية وطواقم لجنة الانتخابات المركزية، كما شملت عملية التوعية الانتخابية في المخيمات الصيفية توزيع "برشور" تثقفي يحمل عنوان "تعلم أبجديات الانتخابات" صمم وأخرج بطريقة ملائمة للجيل المستهدف في حملة التوعية هذه.
وبعد النجاح الكبير لهذا المشروع أخذت لجنة الانتخابات المركزية بالتوسع في استهداف شرائح جديدة في عمليات التوعية الانتخابية من جيل مبكر، وكان فيما بعد مشروع "التوعية الانتخابية في المدارس 2008" هو المشروع الثاني في هذا المجال، وتم تنفيذ المشروع بالتعاون ما بين لجنة الانتخابات المركزية ووزارة التربية والتعليم العالي.
مشروع "التوعية الانتخابية في المدارس 2008" استهدف طلبة الصف التاسع الأساسي، جزء منهم استهدف بشكل مباشر والجزء الأكبر منهم استهدف بشكل غير مباشر، والاستهداف المباشر شمل (106) مدارس من تلك التي فيها صفوف التاسع الأساسي موزعة مناصفة تقريباً بين مدارس الذكور والإناث، حيث تم خلال ست حصص دراسية من حصص مادة التربية المدنية وعلى مدار ستة أسابيع تنفيذ محاكاة كاملة للعملية الانتخابية بكافة مراحلها عن طريق مدرسي ومدرسات مادة التربية المدنية في المدارس المستهدفة بعد أن تم تدريب وإعداد ما يقارب أل (150) مُدرسه ومدرس بشكل جيد لهذا المشروع على مدار يومين متتاليين، وخصص لكل مرحلة من مراحل العملية الانتخابية حصة دراسية يتم خلالها تنفيذ نشاط من أنشطة العملية الانتخابية بمشاركة الطلبة أنفسهم عبر تشكيل لجان انتخابات لكل مدرسة وتكليف عدد من المراقبين من الطلبة أنفسهم يتولون التنفيذ والمراقبة على كافة الأنشطة ذات العلاقة بالعملية الانتخابية في المدرسة.
وقد اظهر طلبة المدارس المشاركة بالمشروع تفاعل فاق التصورات خاصة في مراحل الترشح والدعاية الانتخابية ومرحلة الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، ففي مرحلة الترشح بلغ عدد المرشحين حوالي (1300) مرشح، وهذا العدد من المرشحين يمثل حوالي 14% من العدد الكلي للطلبة المستهدفين مباشرة بالمشروع والبالغ عددهم حوالي (9000) طالب وطالبة، وكانت مرحلة الدعاية الانتخابية فيها حجم منافسة وأساليب مبتكرة للدعاية الانتخابية أكبر بكثير من كون المشروع لا يتعدى عملية محاكاة للانتخابات يهدف بالدرجة الأولى لتوعية الطلبة بهذا الموضوع.
فكانت الممرات والساحات في المدارس ملئيه باليافطات الدعائية والصور بألوان زاهية للمرشحين من الطلبة يتنافسون فيما بينهم للحصول على أعلى عدد ممكن من أصوات زملائهم الطلبة، حيث كانت طموحات الطلبة وأمانيهم خلال حملة دعايتهم الانتخابية أكبر بكثير من سني عمرهم، فخلق الظروف المريحة للطلبة وعلى كافة الصعد في المدرسة كانت على رأس اهتمام كافة الطلبة المرشحين وأول بنود برامجهم الانتخابية، فتوفير الساحات المدرسية الواسعة والحدائق وقاعات الحواسيب والقاعات الرياضية احتلت حيزاً مهماً من برامجهم ودعاياتهم الانتخابية، كما كان لدى المرشحين من طلبة الصف التاسع مطالب بتوفير ظروف صحية جيدة في قاعات الدراسة عبر المطالبة بتوفير التدفئة في فصل الشتاء والتبريد في فصل الصيف.
ولم تغب روح العمل الجماعي والتعاون الإيجابي عن حملات الدعاية الانتخابية للطلبة، فهناك من وعد بالسعي للعمل على توفير صندوق دعم للطالب الفقير، والمطالبة بإعفاء الطلبة المحتاجين من رسوم التبرعات المدرسية التي يدفعها الطلبة بداية كل عام دراسي، كما كانت الدعوات للالتزام بالأنظمة والقوانين المدرسية واحترام المعلمين وتقدير جهودهم ونبذ العنف داخل المدارس من الأمور التي اهتم بها المرشحون‘ حيث اعتبروا الدعاية الانتخابية في مشروع التوعية الانتخابية في المدارس فرصه مناسبة للحض والدعوة لكل ما هو إيجابي في حياة الطلبة، وهذه الأمور إن دلت على شيء فهي تدل على درجة التفاعل والمشاركة التي حققها مشروع التوعية الانتخابية في المدارس مما يعزز التوجه لتوسيع هذا النهج التوعوي لأكبر عدد ممكن من شرائح المجتمع الفلسطيني.
وبنفس درجة الحرارة العالية التي امتازت بها مرحلة الدعاية الانتخابية، كانت درجة حرارة التفاعل مع عملية الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، فهناك من رقص فرحاً وابتهاجاً بالفوز وهناك من بكى وغضب بعد عدم فوزه، فمن فرح لفوزه ومن تباكى على خسارته نسي للحظات ومن شدة تفاعله مع الحدث إن الأمر لا يتعدى كونه عملية محاكاة للعملية الانتخابية هدفها تثقيف الطلبة وتوعيتهم في شؤون الانتخابات والقيم الديمقراطية.
في المقابل كانت الانطباعات والتوصيات المقدمة من المدرسين المشاركين في المشروع وإدارات مدارسهم تشير لمدى أهمية مشروع التوعية الانتخابية في المدارس كمشروع توعوي أولاً، وكنشاط يعزز بناء القدرات الشخصية للطلبة والطالبات، كما يساعد في تعزيز العلاقات الإيجابية بين الطلبة نتيجة الاحتكاك المباشر بينهما خاصة في أنشطة الدعاية الانتخابية وعملية الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، ناهيك عن مساعدة المشروع في كشف بعض الطاقات والقدرات الكامنة لدى العديد من الطلبة والطالبات.
وبعد النجاح الكبير لهذا المشروع وهذا النوع من التوعية الانتخابية لجيل الشباب بدأت لجنة الانتخابات المركزية بتنفيذ "مشروع التوعية الانتخابية في المدارس 2009" من خلال استهدافها (107) مدارس جديدة فيها ما يقارب (9000) طالب وطالبة من طلبة الصف التاسع الأساسي، والجديد في "مشروع التوعية الانتخابية 2009" هو استهدافه (31) مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية، واستهدافه كذلك مدارس خاصة والتي بلغ عددها (11) مدرسة بعد أن اقتصر المشروع الأول على مدارس حكومية فقط.
moh-abuallan@hotmail.com

الأحد، 29 مارس 2009

هدم سجن نابلس المركزي مسح لجزء من الذاكرة الفلسطينية


بقلم: محمد أبو علان:
لم أكن في يوم من الأيام سجيناً لكي أعرف بالضبط ما هي مشاعر آلاف السجناء الفلسطينيين الذين قضوا زهرات شبابهم داخل جدران السجون الإسرائيلية ومنها سجن نابلس المركزي عندما وصلهم خبر نية الحكومة الفلسطينية هدم هذا السجن لبناء مركز أمني كبير على أرضة المجاورة لما كان يعرف بالمقاطعة، والتي سوتها قوات الاحتلال بالأرض في حربها على مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية إبان انتفاضة الأقصى.
فهذا السجن الذي بني عام 1876م يعتبر معلم تاريخي وأثري من معالم مدينة نابلس، ويشكل في قيمته المعنوية ومعالمه المعمارية مرحلة هامة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإن أراد له الاحتلال أن يكون مركز عقاب وتعذيب للمناضلين الفلسطينيين، حوله هؤلاء المناضلين لمدرسة في التربية والتنشئة الوطنية، مدرسة خرجت مناضلين أشداء بعضهم قاد الحركة الوطنية الفلسطينية لسنوات طوال وبعضهم لا زال.
بالتالي يجب أن يبقى مبنى سجن نابلس المركزي الشاهد الأبدي على تاريخ جرائم الاحتلال طيلة فترة احتلاله لهذه المدينة بشكل خاص وللأرض الفلسطينية بشكل عام، وبدلاً من أن يهدم وتزال آثار من على وجه الأرض، على السلطة الوطنية الفلسطينية العمل على ترميمه بالشكل والصورة التي تضمن الحفاظ على شكله المعماري ومنظره التاريخي، وجعله متحفاً وطنياً يعكس صورة ومحتوى وحجم النضال الفلسطيني ضد الاحتلال.
بدلاً من أن يهدم هذا السجن علينا أن نكتب على كل حجر من حجارته اسم سجين قضى جل عمره بين جدرانه من أجل قضيتنا الوطنية، ونخط على جدرانه أسماء الشهداء الذين سقطوا وهم يواجهون ضباط المخابرات الإسرائيلية في أقبية التحقيق وسراديب الموت في هذا السجن.
يجب أن يحول سجن نابلس المركزي وغيرة من سجون الاحتلال الإسرائيلي السابقة لجزء من الذاكرة الحية للشعب الفلسطيني التي تجسد ماضي نضالي لم ينتهي بعد، لا بل تنتظره سنوات وسنوات، فالحفاظ على هذا التاريخ ومعالمه الحلوة منها والمرَة ستشكل دافع للأجيال القادمة لكي تبقى القضية الوطنية حية في ذاكرتها وتعمل من أجلها بشتى السبل والوسائل المتاحة.
وفي حال أصرت الحكومة الفلسطينية على المضي في خطوتها هذه على كافة فصائل العمل الوطني، ومؤسسات المجتمع المدني في الوطن كافه وليس في مدينة نابلس فقط الوقوف في وجه هذه الخطوة عبر الكتب الرسمية والمسيرات الشعبية للحفاظ على هذا المعلم الذي يشكل جزء من الذاكرة الوطنية لشعبنا الفلسطيني، وإن لزم الأمر على الجميع أن يكونوا بمثابة درعاً بشرياً لحماية سجن نابلس المركزي من الهدم.
moh-abuallan@hotmail.com

الجمعة، 27 مارس 2009

لماذا تنعقد القمة؟


بقلم: محمد أبو علان:


بعد أيام ستنعقد القمة العربية في قطر، والبعض متخوف من عقدها لشدة الخلافات العربية الداخلية على الرغم من كثرة القمم المصغرة التي عقدت لتطهير الأجواء العربية من بعض الخلافات الثنائية، ومن يرى ما يدور في ربوع الوطن العربي الكبير من مآسي ومصائب يدرك أن الخلافات العربية- العربية أهونها.
فها هي دولة الاحتلال الإسرائيلي ترسل رسالتها للقمة العربية القادمة في قطر بكشفها عن قصفها لجنوب السودان بحجة منع تهريب السلاح لقطاع غزة، رسالة تحوي الكثير من المؤشرات والدلالات في طياتها لكل من يحاول الخروج من صف الاعتدال العربي، ويحاول تقديم العون والمساعدة للمقاومة الوطنية في أي بلد عربي مُحتل.
وفي العراق سنوات الاحتلال الأمريكي تتوالى عاماً بعد عام بما فيها من قتل وتدمير وسرقة مقدرات اقتصادية دون حساب.
وفلسطين تغرق يوماً بعد يوم في المزيد من الدم والدمار والاستيطان نتيجة سياسية الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة منذ ستون عاماً وعام، ، والحصار والتجويع بات الواقع اليومي التي يعشه شعبنا الفلسطيني في غزة، فلا حبة دواء يجدها المريض، ولا كوب حليب يحظى به أطفال غزة.
وفي سوريا لا زال الجولان محلتاً، وفي لبنان مزارع شبعا هي أيضاً منزوعة من جسد لبنان بقوة الاحتلال وظلمه، ناهيك عن سيادته التي تنتهك يوميا من الطائرات الإسرائيلية تحت سمع ونظر القوات الدولية هناك.
الرئيس العراقي الشهيد "صدام حسين" لوحق وسجن وحوكم وأعدم على أيدي قوات الاحتلال الأمريكي وأعوانه من العراقيين، وكان ذلك في أول أيام عيد الفطر الذي لم يكن سعيداً في ذلك العام، ومستهينين بمشاعر كل عربي ومسلم في هذا الكون.
الرئيس الفلسطيني الشهيد "ياسر عرفات" حاولوا ابتزازه وإخضاعه سياسياً ففشلوا، فحاصروه في مقره لسنوات طوال حتى تمكنوا من اغتاليه دون أن يتركوا دليلاً ملموساً يدينهم أو حتى يشير إليهم.
الرئيس اللبناني الأسبق "إميل لحود" حوصر سياسياً في قصر "بعبدا" ليس لسبب إلا لنصرته للمقاومة الوطنية اللبنانية، ورفضه أن يكون أداةً في يد الأمريكيين وحلفائهم الأوروبيين للتخلص من المقاومة وحلفائها في المنطقة.
والرئيس السوداني "عمر حسن البشير" صدر بحقه مذكرة توقيف واعتقال من محكمة الجنايات الدولية لارتكابه "جرائم ضد الإنسانية" في دارفور حسب ادعاءات المجتمع الدولي.
كل هذا مضافاً إليه شعوب عربية مقهورة وتعاني الأمرين، فهي محرومة من حقها من المشاركة في الحياة السياسية في مجتمعاتها، وتعيش الأغلبية من تلك الشعوب تحت خط الفقر المدقع في ظل عائلات مالكة وحاكمة وسالبه لمقدرتها الاقتصادية لصالح أبنائها والمقربين منهم.
وفي ظل هذه الصورة قاتمة السواد في ربوع وطننا العربي ماذا سيستطيع القادة العرب أن يفعلوا في قمتهم العتيدة....؟؟؟.
لن تستطيعوا تحرير العراق، ولكن هل بمقدروكم حتى إدانة الاحتلال وجرائمه هناك؟
لن تحرروا فلسطين، ولكن هل بطاقتكم رفع الحصار عن شعبها؟.
لن تقدروا على منع محاكمة البشر، ولكن هل بمقدروكم المطالبة بمحاكمة قادة الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي على جرائمهم ضد الإنسانية في كل من العراق وفلسطين ولبنان؟.
والإجابة على كل هذه التساؤلات لا تحتاج إلى حكمة وذكاء، بل يدركها عن ظهر قلب كل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج.... وحال هذه القمة لن يكون أفضل من حال ما سبقها من قمم عربية.
ولن نجد من هو أقدر من الشاعر العراقي الكبير "مظفر النواب" ليعبر عن رأي كل مواطن عربي بهذه القمم في قصيدته " قمم... قمم" بقوله: تنعقد القمة؟ لا تنعقد القمة..........

الخميس، 26 مارس 2009

سعدات : يشرح ظروف عزله و يأمل أن يكلل حوار القاهرة بإنجاز الوحدة الوطنية




التاريخ : 26/3/2009 الوقت : 10:01
أمد / شرح الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات ظروف نقله الى قسم العزل في سجن عسقلان، حيث قال أنه تم نقله يوم الأثنين 16/3/2009 كأسير عادي في سيارة 'البوسطة' الى 'معبار' الرملة وفي اليوم النالي تم نقله الى سجن عسقلان، وبعد اننهاء عملية التفتيش المذلة والتي تم فيها مصادرة 8 كتب من أصل عشرة لدية والقاموس الألكتروني وعدد من أغراضه الشخصية، تم نقله الى قسم العزل في سجن عسقلان،وعندما استفسر عن سبب نقله الى هذا القسم أخبره نائب مديرالسجن ، أن هذا الاجراء يأني كعقاب له عن نشاطه في الخارج ضد ما يسمى بأمن اسرائيل،ولاحقاً أبلغ أنه ممنوع من زيارة الأهل لمدة ثلاثة شهور،ويضيف سعدات بأن الزنزانة الموجود فسها مساحنها 3 أمنار وربع،ومن ضمنها الحمام والمرحاض وسرير من طابقين،وبها ثلاجة صغيرة وجهاز تلفاز،وقد تم حجب بث قناة الجزيرة عنه،ولم نزوده ادارة السجن بأية مستلزمات للغرفة وقام بشرائها من'كنتينة' السجن من بلاطة وغيرها على حسابه الشخصي،وهو يخرج لساحة النزهة'الفورة' لمدة ساعة واحدة مقيد اليدين،ولا تفك قيوده الا في الساحة وعند العودة منها تقيد يداه مرة ثانية،وعند خروجه لمقابلة المحامي يخرج مقيد اليدين والقدمين وعند المقابلة نفك قيود اليدين فقط،وبعد انتهاء المقابلة تقيد يداه ثانية بالاضافة لقيود القدمين.

ويقول سعدات بأنه يوجد في هذا القسم عدد من الأسرى الأمنين والمعزولين منذ سنوات،منهم الأسيران حسن سلامة والمعزول في هذا القسم منذ 8 سنوات وموسى صالح والمعزول منذ 4 سنوات وغيرهم،ناهيك عن وجود أسرى يهود جنائيين في هذا القسم،وهو موجود في الزنزانة لوحده وممنوع من الألتقاء والاختلاط مع أي أسير آخر.

ويضيف سعدات أن هذا الاجراء يندرج في سياق واطار الحديث المنصاعد بعد افشال حكومة'أولمرت' لصفقة التبادل لتشديد الاجراءات ضد الأسرى ،وهو لن يثنيه عن مواصلة الوقوف إلى جانب شعبه في نضاله العادل من أجل حقوقه الوطنية وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

من جهة أخرى فال كنت وما زلت آمل كما كل أفراد شعبي أن يُكلل حوار القاهرة بإنجاز وحدتنا الوطنية كأساس لبناء وترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني في السلطة وم.ت.ف ـ والخروج من حالة الإنقسام لمواجهة التحديات المطروحة أمام شعبنا جراء تصاعد هجمة الإحتلال على شعبنا ومكوناته الوطنية وأرضه ومقدساته وحقوقه كإنسان.

وأضاف أنه من الطبيعي أن يجري تسريع الحوار وإنجازه، خاصة وإن مساحة التوافقات ممثلة في إتفاق القاهرة عام 2005 ووثيقة الوفاق الوطني حزيران/ 2006 يشكلان أساسا ً لإنجاز الوحدة وبناء مؤسساتنا الوطنية في الظرف الراهن، في هذا السياق لا أجد أي مُبرر بمطالبة فريق السلطة في رام الله بالإلتزام أو إحترام إلتزامات منظمة التحرير التي تأتي خارج الإجماع الوطني وبشكل خاص الإتفاقات الموقعة التي تُشكل السبب الرئيسي لحالة الإنقسام والأزمة والدمار الذي يعيشه شعبنا، وفي الوقت الذي لم تقيم فيه إسرائيل أي وزن أو إعتبار أو إحترام لهذه الإتفاقات منذ توقيعها حتى تدميرها في 2002 وحرق أوراقها في عدوان 2008 على غزة ولا أعتقد أن من ينتظر تشكيل حكومة إسرائيلية ذروة في تطرفها وتنادي في المساواة بين حق شعبنا في البناء في القدس وبين الإستيطان يمكن أو يحق له أن يبني أوهاما ً على إحتمالية أي تقدم في أي مفاوضات مع هذا العدو.

وفي هذا السياق أيضا ً توجه الأمين العام للجبهة الشعبية الى جماهير شعبنا في الداخل بالتحية على صمودها وثباتها على أرضها،وتصديها لزعران المستوطنين الذين حاولوا دخول مدينة أم الفحم،ودعا جماهير وقوى شعبنا المناضلة في الداخل الى المزيد من الوحدة والتلاحم والدفاع عن وجودها وهويتها وقوميتها وعروبتها وأرضها،فهذه الجماهير هي التي لقنت العدو الدروس في الصمود والتصدي والتمسك بأرضها ووجودها في يوم الأرض الخالد والذي عمد بالدماء والتضخيات.
__._,_.___

الاثنين، 23 مارس 2009

عندما سقطت بغداد كنت هناك، (3)


رشيد شاهين


عندما سقطت بغداد كنت هناك،

مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق(3)

ادركنا ان هنالك معركة تدور رحاها قريبا من البيت،


لم يخب ظننا هذا فقد كانت معركة حقيقية وليس مجرد وهم او اشتباه، فبعد ان خرجت الى الشارع لاستطلع الامر وجدت مئات الأشخاص يتراكضون قادمين من جهة الطريق السريع المؤدي الى المطار باتجاهنا، وعندما استفسرت عن الأمر قيل لي بان هنالك إنزال قامت به القوات الأمريكية قريبا من المكان وان معركة حامية الوطيس تقع بين القوات الغازية والعراقيين النشامى.

لقد استمرت المعركة على الطريق السريع المؤدي إلى السيدية والدورة كما إلى المطار أكثر من ثلاث ساعات، لقد كان بالإمكان معرفة كم هو حجم الشراسة في هذه المواجهة، لشدة وكثرة ما تم استعماله من قذائف وإطلاق نار بدون توقف، لقد كانت معركة شرسة وقاسية على ما يبدو سقط فيها العشرات من الضحايا المدنيين والعسكريين والفدائيين كما المتطوعين العرب، كل هؤلاء استماتوا في القتال، وقد أوقعوا خسائر فادحة في الجانب الأمريكي.

كنت أرى الناس يتراكضون في كل اتجاه هربا من جحيم المعركة, وكان الكل يتحدث عن حجم القتل والدمار وشدة القتال، لقد سمعت الكثير من القصص عن البطولة والتضحية والفداء، فقد التقيت بعدد من الفدائيين والمتطوعين العرب الذين شاركوا في تلك المعركة وتحدثت إليهم، لقد كان لديهم إحساس بالنشوة عالٍ برغم كل الخسائر التي وقعت، فهم استطاعوا ان يصدوا احد اكبر الإنزالات التي قامت بها القوات الاميريكية في تلك المنطقة والتي يبدو انها كانت مقدمة للاستيلاء على المطار.

تحدث بعضهم ربما وبمغالاة عن خسائر كبيرة في صفوف الاميريكيين، كانوا يتحدثون بكثير من الاعتداد بالنفس، حيث بدا ان تلك المعركة اعطتهم مزيدا من الثقة على ان بالإمكان مواجهة العدو خاصة في ظل كل ما استعمله هذا العدو من طائرات وصواريخ استطيع ان اشهد عليها، كانوا يتحدثون بإصرار عن مشاركة "السيد الرئيس" في تلك المعركة، كانوا يقولون انه كان على ظهر سيارة رباعية الدفع ويحمل قاذفة آر بي جي وانه شارك معهم في التصدي للقوات الاميريكية لا بل أكدوا انه قاد المعركة حتى النهاية.

لقد اندفع الى المكان مئات العراقيين بعد ان توقف القتال وانسحبت القوات الاميريكية، لقد شاهدت العشرات من الجثث في الشوارع والكثير من الجرحى، ولحسن حظ هؤلاء ان مستشفى اليرموك كان قريبا جدا، لقد تم نقل العشرات ان لم يكن المئات من الجرحى الى تلك المستشفى كما الى غيرها، وقد شاهدت عدة آليات اميريكية لا تزال في ارض المعركة شاهدة على خسائر الاميريكيين، تلك الخسائر التي لم تتحدث عنها القوات الاميريكية.

بعد ان سكتت المدافع بوقت قليل بدأت القوات الاميريكية بدك المنطقة بقذائف من كل الجهات، كان قصفا مجنونا بدا بالنسبة لي وكأنه انتقام من هذه المنطقة التي استطاعت صد الإنزال وإلحاق الكثير من الخسائر في صفوف من شاركوا به، كانت أصوات بعض الانفجارات تصم الآذان وهي ما كان يسمى بالحاويات، واشتد القصف على المضادات الارضية التي كانت منتشرة في المنطقة، كنا نميز الصواريخ من العصف الذي يحدثه مرورها من فوق رؤوسنا، كانت شدة عصف تلك الصواريخ تكاد تسحبنا معها، وقع احد الصواريخ على بيت لا يبعد سوى اقل من خمسين مترا عن البيت الذي التجأنا اليه، قتل من قتل وجرح من جرح ودمر البيت، وسقطت عدة صواريخ على مدرسة قريبة كما سقط أكثر من صاروخ على ما يعرف بالأسواق المركزية في المنطقة، لقد أصبحت المنطقة عرضة لكل أنواع القصف وهذا ما صار يشكل خطورة أخرى وبالتالي دافعا جديدا للتوسل من الأهل والزوجة كما رعب الأطفال بمغادرة المنطقة إلى مكان أكثر أمنا، وهذا ما كنت اعتقده عندما حاولت ان أكون ناصحاً بان الانتقال سيصبح عملية بدون توقف.

هروب آخر

لقد قررنا الانتقال الى بيت صديقي الذي هو في واقع الأمر احد الانسباء، وكان هذا البيت يقع في الرصافة اي في القسم الشرقي من بغداد، وهكذا انتقلنا الى حي اور حيث يسكن أبو علي وهذا هو اسمه، كان يعمل في شرطة النجدة وهو شاب في الثلاثينات من عمره، لقد استقبلنا بكل ترحاب كما هي عادة العراقيين، وأقمنا في بيته حتى انتهت الحرب، كان مسؤولا عن دورية للنجدة وكان القاطع الذي يخدم فيه يقع في نفس منطقة سكنه، وهذا ما أتاح له ان يأتي الى البيت بين الفينة والفينة، كان برفقته اثنين من الزملاء وأحيانا ثلاثة، كانوا يأتون الى البيت لشرب الشاي او تناول وجبة من الطعام.

ما لفت انتباهي هو انهم كانوا يتلقون اوامر من جهة عسكرية ما عبر جهاز اللاسلكي تطلب منهم استطلاع هذه المنطقة او تلك، وعندما استفسرت منه عن تلك النداءات اجابني بان ما يحدث هو انهم يتلقون هذه النداءات من قبل جهاز عسكري لم يسمه، يطلب منهم الانطلاق الى موقع ما في مكان ما لاستطلاع حقيقة المعلومات التي تقول ان هناك اخباريات تشير الى انه قد يكون هنالك انزال معادٍ في تلك المنطقة، وعليه فان على الدورية ان تنطلق الى المكان المشار اليه ومن ثم تعود لتتصل بذاك الجهاز لاعطاء النتيجة، لقد كانت طريقة عقيمة تقليدية وقديمة في الاتصال والاستطلاع خاصة في ظل هذا التقدم في مجال تكنولوجيا الاتصالات، لانه اذا ما ثبت ان هنالك انزال فعلا، فهذا يعني ان العملية المعقدة والطويلة تلك سوف لن تكون عملية في التصدي لأي انزال، ويبدو ان ما كان يقوم به رجال النجدة وصل بطريقة او بأخرى للقوات الاميريكية بحيث صارت سيارات النجدة مستهدفة، وتم قتل الكثير من هؤلاء الرجال من خلال استهداف دورياتهم خاصة في الايام الاخيرة من الحرب.

خلال وجودنا في بيت ابو علي تم استهداف المنطقة في العديد من الغارات خاصة تلك الساحة الفسيحة لتي تتوقف فيها العديد من الشاحنات، لقد تم قصف تلك الشاحنات بشكل وحشي ويبدو ان الاعتقاد الذي كان سائدا لدى الاميريكيين ان تلك الشاحنات تحمل أسلحة او صواريخ برغم انها كانت فارغة، وقد سقط العديد من الصواريخ على المنازل في المنطقة وهذا ما ادى الى سقوط العديد من الأهالي الأبرياء.

الرعاع يتسيدون الموقف

كنت اقيم في الجانب الشرقي من بغداد كما أشرت، عندما بدأت القوات الاميريكية بالدخول الى العاصمة العراقية عصر التاسع من ابريل 2003. لقد كانت تزحف ببطء شديد وبأعداد هائلة وكانت تستقل كل أصناف الآليات العسكرية بينما تحلق الطائرات العسكرية المختلفة في سماء بغداد الجريحة على ارتفاعات منخفضة جدا.

خرجت الى الشارع مثلما فعل الآلاف من أبناء بغداد لاستطلع ما الذي يحدث، كان في المنطقة حيث أقيم، مخازن شاسعة، وللصدق لم اكن اعرف ولم أحاول ان اعرف يوما ما الذي تحتويه تلك المخازن برغم انني كنت قد زرت المنطقة عدة مرات، إلا ان ما شاهدته كان هو ان دبابتين من تلك الارتال الضخمة توجهت الى البوابة الكبيرة التي تقع خلفها تلك المخازن وقامت بدفع البوابة واشار الجنود للناس المتجمهرين في الشارع بان هيا، تعالوا وادخلوا، هيا انهبوا هذه المخازن، وقد هجم من هجم على تلك المخازن، وكانوا كثر ومن جميع الأعمار، الا ان ما لاحظته ايضا، انه وبرغم ضخامة الأعداد التي اتجهت الى تلك المخازن فان اعداد الذين لم يحركوا ساكنا ولم يتوجهوا للاشتراك في عمليات النهب كان اكثر بكثير من اولئك الرعاع الذين شعروا ان الفرصة سانحة للسرقة والنهب والسلب.

لقد كان ذلك هو الجانب المظلم من الصورة، الا ان جانبا اخر من المشهد برغم انه لم يكن بنفس حجم المشهد الداكن، بعث بداخلي الكثير من الامل، فخلال وقوفي اراقب هذا الذي يجري بكل ما فيه من الم، سمعت اثنين من الشبان الذين وجدت نفسي اقف الى جانبهم وهم يتحدثون منتقدين ما يجري، وكان ما اثلج صدري ان احدهم قال للآخر "هؤلاء ليسوا سوى قوات احتلال انهم..." واستعمل شتيمة عراقية معروفة وترك المكان مع رفيقه، عندما سمعت ذلك، لا ادري لماذا شعرت بالسكينة، لقد شعرت ان العراق بخير، وان هذا الاحتلال لا بد سيواجه مقاومة لا حدود لها، فاذا كان هذا راي شاب في مقتبل العمر فان ذلك يعني ان هذا الاحساس لا بد سيكون في قلوب الاف العراقيين وان الامور والمشاعر اذا ما كانت هي هذه منذ الساعات الاولى للاحتلال اذن فنحن لا زلنا والعراق بخير.

لم يكن بالامكان ان استمر في مراقبة ما يحدث، قفلت عائدا الى البيت المؤقت الذي اقيم فيه وكنت اشعر برغبة عارمة في البكاء، ووجدت زوجتي تجهش بالبكاء وتلطم الخدود، فلم استطع الا ان اتمالك نفسي وان ابقي على ما تبقى فيّ من مشاعر الصمود والقوة، لاواسيها واحاول التخفيف عنها لان من غير الممكن ان نتحول جميعنا الى النواح.

قصص الانتقام بدات تتوالى كما بدات عمليات النهب والسلب تطال البيوت السكنية، وبدات عمليات الانتقام سريعا من الرفاق اعضاء حزب البعث بدون تمييز او استثناء، كنت اقيم في بيت هو عمليا قد يكون هدفا لانتقام محدد لان صاحبه كان احد منتسبي قوات النجدة العراقية، وعندما سألته ان كان يريد البقاء او ان يغادر المنطقة اكد لي ان لا اعداء له وان علاقاته مع الجيران من افضل ما يكون، وكنت احاول ان اقنعه بالمغادرة الى المنطقة الغربية من بغداد حيث اسكن وحيث ان لا علاقات لي بالدولة او الحزب، حتى نرى ما الذي ستحمله الايام القادمة، لقد بقينا في حي اور حتى عصر الجمعة الحادي عشر من اذار 2003 عندما قررنا العودة الى شقتنا في الشطر الغربي من العاصمة العراقية.

في طريق العودة ألم وأمل

لقد سلكنا طريقا تمر من امام الجامعة المستنصرية المعروفة، وقد ذهلت من حجم الدمار الذي لحق بهذا الصرح العلمي الكبير ومن حجم الاوراق والكتب الممزقة على جنبات الشارع، لم اصدق ان هذا يمكن ان يحدث لهذه الجامعة، وتوجهنا عبر الوزيرية الى منطقة المنصور وكان الرعاع مستمرون في سرقتهم، فهذا يحمل جهازا للكمبيوتر وذاك يحمل جهازا آخر وثالث يجر على عربة خشبية جهازا للتكييف، وهناك مجموعة تقوم بدفع سيارة مرسيدس يبدو انهم فشلوا في تشغيلها، واخر يحمل اي شيء، وهكذا كان الطريق كله، اناس يحملون كل ما وجدوه في طريقهم، لقد كان اشد ما اثار انتباهي هو ذاك الشخص الذي اقدم على سرقة مولدة كهربائية عملاقة، لقد قام هذا الوضيع بربط المولدة الى شاحنة يقودها بحبل ضخم، وحيث انه لا يملك رافعة فقد كان يجرها على ارضية الشارع ببطء شديد ولا ادري كيف استطاع او من اين حصل عليها.

عندما وصلنا الى ساحة اللقاء الفسيحة والتي تقع بجانب السفارة الاردنية التي تم تدميرها بعد الاحتلال الاميريكي لبغداد من خلال سيارة مفخخة، وفي بداية الخط السريع الممتد على مسافة 550 كيلومتراً باتجاه الحدود الاردنية. لاحظت وجود العشرات من المقاتلين العرب منتشرين في المنطقة، كانوا يحملون البنادق الآلية كما القاذفات من نوع آر بي جي واسلحة من انواع لم اعرفها، كانوا يبعثون الامل في نفوس من كان قلبه على العراق، عند مشاهدتهم تولدت بداخلي مشاعر عدة وشعرت بدموع لا ارادية حارة تسقط على عكس ما اردت ان ابدو عليه من تماسك، وبرغم ذلك فقد كان شعور بالنشوة يدغدغ جانبا اخر مني، منظر المقاتلين هذا، تزامن عن معارك دارت خلال اليومين الماضيين في منطقة الاعظمية الواقعة الى الشمال من بغداد، جعلني اشعر بمشاعر مختلفة ومتناقضة.

لقد دارت في الاعظمية خلال اليومين الماضيين ما قيل انها معارك ضارية استبسل فيها المقاتلون العرب مع رفاقهم من العراقيين الذين استماتوا دفاعا عن هذه المنطقة من بغداد حيث مرقد الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان. لقد استعصت الاعظمية على القوات الاميريكية الغازية منذ ما يزيد على 48 ساعة، ولم تسقط الا بعد عصر الجمعة وبعد ان استعملت القوات الاميريكية كل ما لديها من اسلحة وذخائر، وقد قيل عن تلك المعركة انها دارت من شارع الى شارع، كما قال الكثير ممن شاركوا في تلك المعارك ان الرئيس العراقي قد اشرف على تلك المعارك لا بل وشارك فيها بقوة، ولا غرابة في ذلك فهو كان يعتبر ان هذه المنطقة احد المناطق التي يمكنه اللجوء اليها بقليل من الريبة وكثير من الاطمئنان اذا ما قورنت ببقية المناطق البغدادية، عدا عن انها تقع الى الشمال من العاصمة وهذا ما يجعلها اكثر مناسبة فيما لو فكر بالاتجاه شمالا حيث مسقط راسه وعشيرته في العوجة وتكريت.

وصلنا الى الحي او المجمع السكني الذي نسكن، وكانت حركة السلب والنهب لا تزال مستمرة. لقد هاجم المئات من الرعاع والسراق المخازن الرئاسية التي كانت تجاور الحي، وكان هؤلاء يسرقون كل الاشياء، واستمرت عملية افراغ تلك المخازن اياما عدة، الا انني استطيع ان اقول بانني لم اشاهد اي من ابناء الحي يقومون بسرقة اي شيء سوى احد الاشخاص الذي كان اصلا صاحب سمعة سيئة تتصل بالشرف هو وعائلته منذ وقت بعيد، لقد استمر هذا وابناؤه بنقل ما يستولون عليه الى شقتهم على مدار ايام، اضافة الى شخص اخر حيث قد جلب هذا مولدة كهربائية استخدمها فيما بعد لتزويد الشقق بالتيار الكهربائي خلال فترات الانقطاع المستمرة مقابل اجر طبعا.

ما ان وصلنا الى الشقة

عندما سقطت بغداد كنت هناك(2)


رشيد شاهين :

عندما سقطت بغداد كنت هناك،

الحلقة الثانية

لقد ابتدأت الحرب إذن وهي ستكون قوية شديدة ومرعبة وبدون أدنى شفقة او رحمة، او هذه على الاقل هي الرسالة التي تم إرسالها عبر الغارات الأولى، لقد كنت اشعر بالغضب الشديد كلما انظر في عيون أطفالي أو الأطفال الآخرين الذين أتوا مع أهلهم إلينا من بيوت الجيران، فقد كان هؤلاء يصابون بحالة من الرعب كلما بدأت غارة جديدة، كنت أحاول ان احتضن احد أطفالي- عمر- الذي يركض الي باكيا ومصابا بحالة من الرعب او مرتجفا بصمت قاتل، وكانت الزوجة تحتضن الأصغر وهي طفلة في الثانية من عمرها، أما ولاء ومحمد فكان يتكفل بهما الجيران.

ام محمد في الخمسينات من عمرها كانت إحدى السيدات من بين العديد من الجيران التي التجأت الى شقتنا مع زوجها وأولادها، لا تستطيع السيطرة على نفسها عندما يشتد القصف، كانت تبكي بصوت عال، وهذا ما كان يثير بداخلي شعور مضاعف بالحزن على هذه السيدة، خاصة انها وكما يبدو كانت تسبب حرجا لزوجها وأولادها ببكائها الشديد، لقد كان شعوري بالغضب يزداد على هذا العدوان الذي يسبب كل هذا الهلع والألم.

كان جارنا وليد شاب ضخم الجثة وطيب المعشر ويميل الى النكتة، وبرغم كل ما كان يحدث من قصف ودمار وما نعيشه من وضع مؤلم، الا انه كان لا يتردد في إطلاق تعليق هنا او نكتة هناك، كان وليد الشاب يرتبط بطفلي عمر- أربع سنوات عندئذ- بعلاقة حميمة، وعندما كانت تشتد الغارات ويحوم الموت في أجواء بغداد يقوم وليد بوضع سماعات على أذني عمر ويرفع صوت الموسيقى إلى أعلى مستوى لها كي لا يسمع صوت الانفجارات او هدير القاذفات المرعب، لانها كانت تسبب له حالة من الخوف والهلع وكان هذا ما يزيد من شعوري بالألم والغضب.

برغم كل هذا القصف الذي لم يتوقف على العاصمة العراقية وبرغم حالة الوجوم التي كانت تسود أحيانا لشدة ما يتم إسقاطه على بغداد، إلا أننا- الرجال من سكان العمارة- كنا نجد الوقت الذي نلعب فيه النرد، "الطاولي" على رأي العراقيين، كما كنا نجد الوقت لنتبادل الحديث والنقاش الذي كان دائما متحفظا وضمن حدود المسموح، وإذا ما تجرأ احدنا على التفكير بصوت عال فان ذلك لم يكن ليتعدى التلميح وليس التصريح.

كنا نقيم في احد الأحياء السكنية الواقعة غرب العاصمة بغداد، يقع ما بين حي الجهاد وحي العامل، وهو عبارة عن مجمع سكني يتكون من مئات الشقق التي تم بنائها في الثمانينات من القرن الماضي، وقد كانت شققا مريحة برغم انها مبنية من الاسمنت- الباطون الجاهز- وقد كانت تتميز بالكثير من الخدمات وخاصة وصول الغاز السائل اليها عبر أنابيب، وهذا ما لم ينقطع في تلك الشقق حتى في ظل الحرب وما بعد الحرب، إضافة الى ان انقطاع التيار الكهربائي كان اقل من باقي المناطق والاحياء السكنية المحيطة.

كان الحي يسمى حي صدام السكني قبل سقوط بغداد، وقد تغير اسمه الى حي السلام بعد الاحتلال الأمريكي برغم أنني وكثيرين بقينا على استعمال التسمية القديمة، لقد كان ينقسم الى ساحات على شكل –U- وفي كل ساحة يوجد ثمانية عمارات متصلة لكن بمداخل مستقلة لكل عمارة وتحتوي هذه على ما مجموعه ثمان واربعون شقة.

وحيث ان تلك الشقق كانت مبنية بتلك الطريقة فان تأثير أصوات الانفجارات كان اشد قسوة من تاثيره على المساكن المبنية بالطريقة التقليدية، كنت اشعر في أحيان كثيرة ان القطع المكونة لتلك البنايات سوف تتساقط هكذا كل واحدة على حدة من شدة الارتجاج الذي تحدثه بعض أنواع القذائف، القنابل او ربما الصواريخ فنحن لا نعرف ما الذي يتم إسقاطه على بغداد او بماذا يتم استهدافها.

برغم أجواء الحرب البغيضة الا ان حالة من التوحد غير العادي عمت بين الجيران في الساحات، لقد تشكلت بيننا حالة من الحميمية لا يمكن وصفها، ومع تجمع الجيران في شقتنا كنت اشعر ان هؤلاء صاروا جزءا مني كما صرت جزءا منهم، لقد تطورت علاقاتنا بحيث صار من غير الممكن ان تنفصم عراها، لقد كنا نتشارك الهم والوجع بحالة من التوحد لم أشهدها من قبل، وصار سكان البناية يشكلون وحدة واحدة، لقد صرنا وكأننا عائلة منسجمة الى ابعد الحدود، وقد استمرت تلك العلاقة الى ما بعد الحرب، لقد كنت المس آثارها خلال فترة ما بعد الحرب واحتلال العراق والطريقة التي كان هؤلاء الاخوة من العراقيين يتعاملون معي او مع أطفالي وذلك الحرص والمحبة الذي يولونها لهم، وتوطدت العلاقة بشكل جميل ولا اعتقد انها سوف تتأثر برغم هذا البعد الذي قد يطول الا انني اعتقد انه سيبقى مؤقت برغم طوله.

استمرت الغارات على العاصمة العراقية، ومع كل غارة كانت تقوم بها الطائرات والقاذفات الأمريكية كانت الحالة النفسية للجميع بما في ذلك نحن الرجال تزداد سوءا، الا ان هذا لم يمنعنا من ان نحاول الاستمرار بالعيش في محاولة منا لتنفيس حالة الخوف والاحتقان التي كانت سائدة وخاصة في ظل ازدياد القصف وما يسببه ذلك من هلع.

برغم ان الحرب كانت قد ابتدأت الا ان الحركة في العاصمة لم تتوقف، كان التنقل يتم بشكل شبه طبيعي في شوارع بغداد برغم القصف وبرغم وجود الطائرات في اجواء العاصمة على مدار الساعة تقريبا، الحركة كانت تتم خلال النهار في اغلبها، في اليوم الرابع من الحرب قررت ان اصطحب عائلتي في زيارة الى بيت اهل زوجتي العراقية العربية الاصل والنسب، عندما شاهدت شاحنات عسكرية تقل مئات من الشبان العراقيين الذين كانوا في مقتبل العمر، لقد كانوا في حالة من النشوة والحماس، وكانوا يرددون هتافات حماسية، لقد حاولت ان افهم جيدا ما يقولون وقد سمعتهم يهتفون بشعارات تشيد بالرئيس وتندد بالعدوان وبوش واميريكا.

لقد غمغمت بكلمات عبرت فيها عن الاستياء لأنني اعتقد ان هؤلاء الشبان لا يعلمون إلى اي مجزرة يتجهون، هذه الغمغمة التي قصدت ان تكون نصف مفهومة وصلت الى مسامع زوجتي مفهومة بالكامل لانها تعرف ما الذي يدور في ذهني وما هو موقفي من كل ما حدث ويحدث، وهذا ما لم يعجب زوجتي التي احتجّت على ما قلت، وعندما وصلنا الى بيت اهل زوجتي صار الكل يحتضن الكل مع دمعة تسقط على هذه الوجنة بصمت هنا، ونحيب بصوت عال ومسموع هناك، او دعوات يبدو انها لم تصل الى السماء بان يحفظ الله العراق وأهل العراق، بقينا معظم النهار عندهم، عندما اردنا المغادرة صار الكل يحاول إقناعنا بان نترك الشقة وان نلجأ إليهم، وهذا ما لم اتقبله، وقد حاولت ان اشرح لهم أننا اذا ما بدأنا بالرحيل فهذا لن ينتهي، وسنستمر بالهرب من مكان الى آخر ولسوف نستسهل الهروب وفي النهاية سوف نشعر بالندم، لقد كنت ارى ان زوجتي كما الأطفال يرغبون ان نأتي الى هنا، لا بل شعرت بنظرات من التوسل في العيون، عندئذ لم أرغب بالرد بشكل أكيد ولم اعط جوابا شافيا ذلك انني كنت ارغب ان أرى اين تتجه الأمور.

نزوح قسري

عندما عدنا الى بيتنا او على الأصح شقتنا التي أبقينا على مفاتيحها مع إحدى صديقات العائلة، رأينا ان هنالك ما استجد في الحي، حيث تم وضع العديد من المدافع المضادة للطائرات والتي تعرف بالعراق بال-57 في احدى الساحات المفتوحة المقابلة للشقق وهي لا تبعد عن البنايات السكنية الا اقل من 30 مترا، وكل ما يفصلنا عنها هو الشارع العريض المؤدي الى حي الجهاد.

وجود تلك المضادات بالقرب من الشقق اثار استغرابا وغضبا لدي لكن بشكل صامت، فانا في وضع وبلد يمنع فيها الاحتجاج في ايام السلم فكيف سيكون عليه الحال والبلد في حالة من الحرب الضروس، هذا الشعور المكتوم الذي ادركته زوجتي جاء على خلفية ان لا داع لوضع هذه المضادات في هذا المكان القريب جدا من الشقق، فالجميع مع الدفاع عن بغداد والموت من اجل العراق، لقد كنا نقوم جميعا بتحضير كل الوجبات للرفاق الحزبيين والجيش الشعبي المتخندقين في المنطقة برغم اننا لم نر اي منهم عندما سقطت بغداد، لكن ان توضع هذه المضادات بهذا الشكل فهذا سوف يعرض المنطقة الى قصف محتوم، خاصة وان الحي في وضع ليس بعيدا عن الخطر اصلا، لانه يقع بين مخازن ضخمة من الشرق والغرب وهي مخازن من المعروف انها تابعة للقصر الجمهوري.

لم اكن قد خبرت ان أكون قريبا بهذا الشكل من مضادات الطائرات تلك او غيرها من المضادات، كنت اسمع اطلاقاتها عن بعد وكان صوتها في العادة عاليا جدا، الا انني فوجئت بقوة صوت اطلاقاتها عندما بدأت بإطلاق قذائفها في السماء البعيدة، لقد كانت كما كل المضادات الارضية المنتشرة في العاصمة وفي كل العراق، تطلق اطلاقاتها هكذا بعشوائية وبدون تركيز وعلى لا هدف، لقد اثارت اطلاقاتها حالة من الرعب في نفوس الاطفال والنساء لشدة صوتها، وهي ان لم تشكل خوفا او رعبا فعلى الاقل صار من المستحيل النوم في ظل اطلاقاتها، لقد كانت وكانها تطلق من داخل الشقق.

لم تتوقف المضادات عن العمل طيلة الليل، وما ان اصبح الصبح حتى كان معظم السكان قد اتخذ قراره بمغادرة شققهم، لان الوضع لا يمكن تحمله. قلة هم الذين قرروا البقاء في المكان، وهؤلاء كانوا من العائلات التي ليس لديها اطفال. وهكذا فقد كان علي ان اتخذ قراري كما الاخرين، وفعلا توجهنا في اليوم التالي الى بيت اهل زوجتي في منطقة البياع لتبدأ من هناك رحلة اخرى مع الحرب اللعينة التي ارادها بوش الصغير من اجل السيطرة على نفط العراق وليس من اجل اسلحة الدمار الشامل كما حاول الترويج بشكل ممجوج لم يقنع احدا.

قررنا الانتقال وقد حملنا معنا فقط وثائقنا وقليل من الملابس وقمنا بوداع الجيران الذين كانوا قد قرروا البقاء في المكان وكذلك الذين قرروا المغادرة، كان الجو مشحونا بمشاعر الحزن والاسى العميقين، لقد بكى الجميع واستطاع البعض منا ان يحبس دموعه لكنه لم يستطع ان يخفي المشاعر التي كانت مرسومة على الوجوه وفي النظرات التائهه، أعطينا مفتاح الشقة إلى إحدى الصديقات الكربلائيات والتي كانت مديرة للمدرسة التي يدرس فيها ولاء ومحمد من اجل البقاء في الشقة لأنها تشعر بها بالأمان أكثر مما تشعر به في شقتها الواقعة في الطابق الثاني.

وصلنا إلى بيت أهل زوجتي الذي لا يبعد إلا بضع دقائق بالسيارة، وقد احتفوا بقدومنا برغم ما كنت اشعر به من غصة لهذا الانتقال القسري، كان البيت لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن جسر البياع الواقع على الطريق السريع المؤدي إلى مطار صدام الدولي.

كانت الغارات الغادرة لا تتوقف على العاصمة العراقية، لم يكن بالإمكان النوم بسهولة، فقد كانت المضادات الأرضية تطلق إطلاقاتها بشكل مستمر وهدير الطائرات لا يتوقف، لقد كانت القاذفات الأمريكية الضخمة تحوم حاملة الموت معها، وصار لدينا ما يشبه الخبرة في متى سنسمع الانفجارات ومتى سيتم القصف، كانت القاذفات خلال تحليقها تطلق هديرا مرعبا تهتز له جدران البيوت، كانت تحوم مرتين او ثلاثة حول بغداد قبل ان تفرغ ما تحمل من موت على العاصمة التي كانت تأن بالم تحت تلك الضربات القاتلة، كنا نصعد الى سطوح البيوت لمعرفة آثار الغارات، ونلاحظ سحب الدخان تتصاعد بعد كل غارة. هذا الصعود الى السطح كان لا يعجب زوجتي او أهلها لخوفهم من ان أتعرض لما قد يسقط من القذائف المرتدة من السماء خاصة وان العديد أصيبوا او قتلوا نتيجة تعرضهم لذلك.

لا شك انني لاحظت ان شعورا ربما بالاطمئنان سرى في عروق الأطفال كما الزوجة وأهلها نتيجة لهذا الانتقال من الشقة الى هذا البيت، لقد كان البيت واسعا وكبيرا إلا ان العدد الموجود فيه كان أيضا كبيرا بحيث انه ضاق علينا برغم رحابته، وكانت الأيام تمر متشابهة ورتيبة خلال وجودنا في ملجأنا الجديد.

معركة البياع

يبدو ان هذه الرتابة في سير الايام كان لا بد لها من نهاية، ففي صبيحة احد الايام وعندما كانت الساعة تقترب من السادسة صباحا بدأنا نسمع اصوات قذائف من كل الانواع، لقد كانت قريبة جدا، ادركنا ان هنالك معركة تدور رحاها قريبا من البيت........................

مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق‏


رشيد شاهين:

عندما سقطت بغداد كنت هناك،

الحلقة الأولى

في صبيحة العشرين من آذار 2003 وقبل أربعة أعوام طويلة عجاف أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة بوش الصغير على الهجوم على ارض الرافدين في حرب اتسمت بحقد لا نعتقد بأنه مسبوق في التاريخ الإنساني، وقامت أميركا ومن تحالف معها بحرب مجرمة غادرة أقل ما يمكن أن يقال عنها انها مثلت واحدة من اكبر الجرائم ضد الإنسانية، حرب غير مبررة كانت ضد رغبة العالم اجمع بالتعامل مع المسالة العراقية بطريقة سياسية واستبعاد الحل العسكري خاصة في ظل ما تحرزه فرق التفتيش الدولية المنتشرة في العراق من تقدم. حرب اجمع الكثير من القانونيين في العالم بانها كانت غير شرعية ولا أخلاقية وان كل ما قيل في الإعداد لها لم يكن سوى فبركة وتزوير وقلب للحقائق، وان كل ما ساقه بوش وزمرته المتصهينة ثبت بطلانه ولم تستطع أمريكا برغم كل المحاولات أن تبرز دليلا واحدا على كل ادعاءاتها وتبريراتها من اجل غزو هذا البلد ومن ثم احتلالها واستباحته أمام أعين العالم وضميره الغائب.في كتابهما "حرب العراق" لمؤلفيه وليامسون موراي وروبرت سكايلز جونيور (2004, ص155-156) يقولان "بعد الساعة الواحدة فجر الخميس 20 آذار بتوقيت الرياض تلقى الفريق مايكل موسلي مكالمة هاتفية عاجلة من رئيس الأركان ريتشارد مايرز الذي استفسر إن كانت طائرات أل 117-ف قادرة على مهاجمة هدف منفصل في مدينة بغداد قبل بزوغ الفجر. وقد أجاب موسلي بالإيجاب، إلا انه طلب من مايرز وبكل لطف أن يؤكد له أن الجنرال تومي فرانكس قد علم بذلك، لقد كانت هذه المكالمة إيذانا ببدء الحرب على العراق قبل موعدها المحدد بيوم ونصف اليوم."من المعروف أن الهدف الذي تحدث عنه الكتاب كان الرئيس الراحل صدام حسين كما وبقية أعضاء القيادة العراقية التي اعتقدت القيادة الأمريكية واستخباراتها انهم يعقدون اجتماعا سريا في مكان ما في إحدى ضواحي العاصمة العراقية.ويضيف كتاب حرب العراق "لقد اختير كل من المقدم ديفد تومي والرائد مارك هوهن لتنفيذ المهمة. في الساعة الثالثة والدقيقة الثامنة والثلاثين حسب التوقيت المحلي للكويت انطلق تومي وهوهن في طائرتيهما 117-ف المزودتين بقنبلتين لكل منهما زنة الواحدة تصل إلى 2000 باوند (909 كغم)، وبرغم أن نظام التوجيه قد تعطل في إحدى قنبلتي تومي الا انه عمل جاهدا لإعادة تشغيله، وما أن نجح حتى كان فوق بغداد. وعند الساعة الخامسة والدقيقة السادسة والثلاثين بتوقيت بغداد تمكنت القنابل الأربعة من إصابة الهدف بشكل دقيق." (نفس المصدر ص 156-157).لقد تحدث الكاتبان بنفس الطريقة الاستعراضية التي يتحدث بها رئيسهم الصغير بوش، إنها الثقافة الأمريكية، هكذا هم الأمريكيون حتى ضمن أدبياتهم. الكاتبان لم يتطرقا ولو للحظة واحدة إلى ما سببته تلك الغارات وما بعد تلاها من غارات على مدار أيام الحرب من رعب وخوف لا يمكن تصوره في نفوس الأطفال والنساء، كما لم يتطرقا لاحقا في بقية كتابهم إلى كل الذي حصل في العراق من فوضى ودمار وقتل وإرهاب ومجازر وصلت أعداد الضحايا فيها وبحسب كل المنظمات الدولية إلى مئات الآلاف وفي بعض الأحيان إلى ما يزيد على المليون وهنا الحديث يتم عن الذين قتلوا ولا يشمل الجرحى والمعوقين واليتامى والأرامل وغيرهم. وهو لا يشمل أيضا المهجرين سواء في داخل العراق الذين وصل عددهم إلى ما يزيد على المليونين من العراقيين أو أولئك الذين اضطروا إلى اللجوء إلى خارج البلاد والذين زاد عددهم على الأربعة ملايين من أبناء الشعب العراقي.

كل هذا وغيره من الكوارث الإنسانية والاجتماعية والصحية والبيئية والثقافية والاقتصادية كان نتيجة حرب بوش التي أراد من خلالها إلغاء الدولة العراقية بما فيها من تاريخ وحضارة وشعب عريق من مختلف القوميات والطوائف. كل هذا لم يأت المؤلفان على ذكره وكان معظم ما ركزا عليه خلال كتباهما هو " كيف حارب الجيش الأمريكي" وما عدا ذلك فهو هوامش ولا قيمة له، ربما من الحكمة الإشارة إلى أنهما وحتى يبدو ما جاء في الكتاب بأنه موضوعي أو فيه بعض من الحياد أتيا في قليل جدا من الكتاب على بعض المعارك التي أبدع فيها المقاتل العراقي عندما كانت تتوفر الفرصة له لقتال الأعداء.أما وقد مضى على بداية تلك الحرب اللعينة ستة أعوام طويلة لا بل طويلة جدا، وهي لم تكن فقط طويلة، لا بل كانت مليئة بلحم أجساد أطفال وحرائر العراق وتلونت بلون الدم الذي انسكب في شوارع كل المدن والأرياف العراقية، لقد كانت معظم أيام تلك السنوات مليئة بدم أبناء العراق، كانت حافلة بالقتل والإرهاب، كانت مخيفة خوفا بعيدا عن التصور أو الخيال. لقد مضت تلك السنوات والعيون تراقب وضمائر "لا بد انها ميتة" تتفرج. سنوات كارثية طويلة مرت بكل ما فيها من تفاصيل مرعبة وبكل ما فيها من قتل ونهب وفساد وإفساد واغتصاب وترويع لتكشف الكثير من حضارة بوش وديمقراطيته وحرصه على القيم الإنسانية وجرائم أمريكا.ست سنوات ابتدأت في ليلة العشرين من آذار كانت مليئة بكل أنواع الانتهاكات الوحشية والبربرية لأبسط حقوق الإنسان التي طالما تحدث عنها بوش وزمرته المتصهينة.ست سنوات تخللها اغتصاب للحرائر من العراقيات وذبح لعائلات بأكملها وسطو على تاريخ العراق وحضارته تمثل في المتحف العراقي وسرقة في وضح النهار للمكتبة الوطنية ومكتبة وزارة الأوقاف مرورا بجرائم وفضائح أبو غريب التي أرادت أميركا من خلالها أن تقول إن ديمقراطيتها فعالة، واختزل البعض كل ما حدث في عراق العرب في الكشف عن جرائم أبو غريب، وكأن كل ما حدث في العراق لم يرق إلى تلك الجرائم وان أبو غريب كان الفعل الأكثر قبحا في العراق.
ما يحدث في العراق لا يمكن أن يرقى إلى المعقول، انه يفوق كل تصور، هل بإمكان الواحد منا أن يتخيل انه وبينما يجلس في بيته وبين أطفاله لا يشعر بالأمن والأمان، تخيل انك تعيش في بغداد أو في أي من مدن العراق وأريافه، وان لا احد يمكن أن يمنع أفراد هذه العصابة من اللصوص أو أفراد هذه الميليشيات او تلك من اقتحام البيت عليك ليفعلوا ما يبغون دون أن تقوى على منعهم، فهم بإمكانهم أن يغتصبوا، أن ينهبوا، أن يقتلوا، أن يطردوا أو أن يحرقوا، أي شيء ، نعم إن بإمكان هؤلاء أن يفعلوا أي شيء دون رادع أو وازع، وتخيل بعد هذا كله انك لن تستطيع أن تجد من تذهب إليه لتقدم الشكوى، وان فعلت وذهبت فلن تجد من يسمعك، وان سمعك فانك لا تضمن أن لا يكون هذا الذي تقدمت إليه بالشكوى هو احد أفراد العصابة أو الميلشيا التي اقتحمت منزلك، وعليك حينئذ أن تدفع ثمن شكواك أضعافا مضاعفة.نعم هذه هي العراق التي أراد لها بوش أن تتحرر من "الديكتاتور". انه العراق الذي يتباهى بوش "الصغير كما درج الإعلام العراقي السابق أن يطلق عليه" الذي أراد أن يخلص العالم من زعيمه لأنه يهدد الأمن والسلم العالمي. إن هذا الذي تحدثت عنه هو ما يحدث هناك في عراق العرب، عراقكم، وليس في كوكب آخر.بعد سنوات ستة حزينة بائسة حالكة مكفهرة كانت، لا بد أن استذكر أيام الحرب التي استمرت كسنين لشدة ما شهدناه من رعب وقتل ودمار، لأقول انها كانت مجزرة بكل المقاييس ولقد كتبت حول ذلك كتابا بعنوان – هكذا سقطت بغداد- وجاء في فصل تم تخصيصه ليوميات الحرب على العراق:لم تكن ليلة الخميس العشرين من آذار 2003 في بغداد بشكل خاص وفي العراق بشكل عام كما الليالي التي سبقتها، ولم تكن كتلك التي تلتها، لقد كان الكل في حالة من الحذر والترقب، والجميع يتساءل سواء بالسر أو في العلن، هل سيشن بوش العدوان أم ترى سوف تتأجل الضربات التي لا احد يعلم عنها شيئا إلا بوش وعصابته الآثمة، كثيرون في العراق كانوا في انتظار الضربة، وكثيرون سهروا حتى وقت متأخر ليلة الضربة، ولما ألمّ بهم التعب ذهبوا إلى النوم الذي لم يكتمل كما اشتهوا.ليل العالم في ليلة الخميس تلك لم يختلف كثيرا عن ليل بغداد وليل العراق في الانتظار، سوى ان من ألمّ به تعب انتظار الضربة، ذهب وغطّ في نوم عميق قد يكون استمر حتى الظهيرة أو ابعد من ذلك لو شاء. لقد كان حالي كحال الكثير من العراقيين في تلك الليلة، فقد سهرت بدوري كما سهر الكثير من أبناء العراق حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة على أمل أن أصحو على صبح بغدادي كالمعتاد.كنت أغط في نوم عميق لم تكتمل متعته، فقد صحوت على صوت زوجتي يوقظني وهي في حالٍ من الفزع الشديد تطلب مني أن أرد على الهاتف، حيث شقيقي يخابرني من فلسطين ليسأل عنا وعن أحوالنا، خاصة وان الحرب قد ابتدأت وان بغداد أصبحت تحت القصف الشديد، و بينما كنت أتحدث إليه كنت اسمع أصوات الانفجاريات تتوالى بقوة وهذا ما يؤدي إلى اهتزاز الشقة كما ويتسبب في حالة من الرعب للأطفال الذين أفاقوا أيضا على أصوات الانفجارات الشديدة، لقد كانت الغارة الأولى بعيدة نسبيا كما أخبرتني زوجتي حيث كنت نائما، ولهذا لم اسمعها، الموجات التالية من الغارات كانت أكثر قربا وكانت اشد قوة ربما، أو هذا ما كنا نسمعه على الأقل ربما لأننا لم نعد كما كنا نياما، لست ادري، كل ما اعلمه هو ان الغارات أصبحت أكثر شدة وان صوت الانفجارات صار أكثر قوة.كان أخي لا يزال على الهاتف ويرغب في الاطمئنان ربما أكثر! كنت اشعر بمدى اللهفة في صوته وفي الرغبة لديه ليتحدث أطول فترة ممكنة، لقد كان يقول لي إن ما رآه على الفضائيات مرعبا، وان ما شاهده من انفجارات وقصف ونيران يشبه إلى حد بعيد ما حصل في الحرب الأولى على العراق عام 1991، اعتقد أنني كنت أبادله الرغبة في أن نتحدث طويلا عما يراه ويسمعه – خاصة وان الفضائيات كانت ممنوعة في العراق-، إلا أن شدة الانفجارات وما كانت تسببه من رعب للأطفال وهذا ما يدفعهم للصراخ، كما وان نزول العديد من الجيران إلى شقتنا حيث كنا نسكن في الطابق الأرضي، جعلني استعجل الحديث معه ويبدو انه استلم الرسالة فودعني واقفل الخط.لم يمض وقت طويل على نهاية الإنذار الذي وجهه الرئيس الأمريكي بوش الصغير حتى انقضت على بغداد نيران جهنم، لقد كانت الضربة من القوة بحيث زلزلت البنايات كما هزت الأرض تحت أسرة من ذهبوا إلى نومهم سواء من انتظروا الضربة فسهروا، أو أولئك الذين لم ينتظروا الضربة لأنهم استسلموا لقدرهم، مدركين بوعي او بدون وعي ان الضربة آتية لا محالة، لقد كان لسان حالهم يقول سواء انتظرنا ام لم ننتظر فلا بد منها، إنها قادمة، إن لم يكن اليوم فغدا، لقد كانت الضربات تتوالى بشكل لا يمكن استيعابه ولا يمكن تصوره.كانت الانفجارات تسمع في كل مكان من العاصمة العراقية بغداد، كان من الصعب التركيز على جهة بعينها، فما ان تضرب هذه المنطقة ويحاول الناس معرفة أين وماذا وكيف، حتى تسقط عشرات القنابل أو القذائف أو ربما الصواريخ، لا احد يدري، في مكان آخر قد يكون قريبا أو بعيدا لا فرق، فالضربات متلاحقة وهي كذلك شديدة مرعبة وقاسية بالتأكيد، ولشدتها لا يمكن أن تقدّر على إي بعد أنت منها، فكل أصوات الانفجارات شديدة وكلها تبدو قريبة، وهناك عشرات من أعمدة الدخان المتصاعدة أينما تنظر وحيثما تتلفت، السنة النيران تتصاعد مع كل ضربة، كنت ترى الناس وهم يتساءلون ماذا حصل وما الذي يجري وما العمل؟ إن ما يحدث اكبر من كل تصور. ويتجمع الجيران، والكل يسأل الكل، ترى كيف وماذا وأين وهل؟ وأسئلة كثيرة بدون معنى أحيانا وبمعان كبيرة في معظم الأحيان.لقد ابتدأت الحرب إذن..... نهاية الحلقة الأولى

الأربعاء، 18 مارس 2009

الصحفيون الفلسطينيون لا "كرامة لنبي في وطنه"


بقلم: محمد أبو علان:


الصحفيون الفلسطينيون حققوا نجاحات باهرة على المستوى الدولي، المصور الصحفي "علاء بدارنه" فاز بجائزتين في مسابقة الإمارات للتصوير، والصحفي "إبراهيم أبو كامش" حصل على المرتبة الأولى في فئة الصحافة المكتوبة، والصحفي "حسن دوحان" فاز بالمرتبة الثالثة عن فئة الصحافة المكتوبة، وفاز الصحفي "إياد البابا" والصحفي "محمد البابا" بالجائزة الأولى والثانية في فئة التصوير الفوتوغرافي وغيرهم كثر، وهذا العام ليس الأول الذي يحقق فيه الصحفيون الفلسطينيون مثل هذه النجاحات والجوائز على المستوى الدولي، وهذا إن دل على شيء فانه يدلل على ما لدينا من قدرات وكفاءات إعلامية كفيلة بوضع فلسطين في مرتبة متقدمة عالمياً في المجال الإعلامي حال لاقى الجسم الإعلامي الفلسطيني الإمكانيات المادية والظروف الجيدة للعمل بحرية ومهنية.
وحتى خارج فلسطين هناك العشرات من الصحفيين الفلسطينيين الذين حققوا نجاحات منقطعة النظير، فتجدهم في كبريات الصحف العربية والعالمية، وفي كبرى الفضائيات في العالم العربي, وكل هذه النجاحات للصحفيين الفلسطينيين جاءت على الرغم من ظروف العمل غير الطبيعية لهم نتاج سنوات الاحتلال الطويلة، وحداثة الكليات التي تدرس الصحافة والإعلام في فلسطين والتي لم يمضي على نشأتها عقد من الزمان أو يزيد قليلاً.
رغم هذه النجاحات الإعلامية الفلسطينية اللافتة للنظر على المستوى الدولي نرى الواقع يسير بالمقلوب على المستوى الفلسطيني الداخلي ، ففي الوقت الذي يكرم فيه الصحفي الفلسطيني دولياً، يعتقل ويهان فلسطينياً خاصة بعد مرحلة الانقلاب في قطاع غزة والذي ترك أثره في هذا الجانب على شقي الوطن، فمقابل قائمة الصحفيين المبدعين هناك قائمة أطول ممن اعتقلوا وتعرضوا للضرب والاهانة في وطنهم، فإن كان مراسلي قناة القدس الفضائية "سامر خويرة" الذي أطلق سراحه مؤخراً و "أحمد البيكاوي" الذي لا زال رهن الاعتقال آخر من تعرضوا للاعتقال، فقد سبقهم في الاعتقال "خالد عمايرة" مراسل صحيفة "الأهرام ويكلي "، وقبله كان "عوض الرجوب" مراسل "الجزيرة نت" والقائمة تطول وتطول هذا في الضفة الغربية المحتلة.
وفي قطاع غزة الذي كان لصحفييه جزء من النجاحات والجوائز على المستوى الدولي، كان لآخرين منهم جزء من القمع وتكميم الأفواه، فبعد منع تلفزيون فلسطين من العمل، وحذر دخول صحيفتي "الأيام" و"الحياة الجديدة" من الدخول لقطاع غزة، تعرض العديد من الصحفيين للضرب والإهانة وتكسير الكاميرات، فقد سجل التقرير السنوي 2008 "للهيئة الفلسطينية المستقلة" اعتقال (45) صحفياً كان منهم(13) صحفياً في قطاع غزة، كان منهم على سبيل المثال لا الحصر الصحفي "إسماعيل سواح" العامل مع التلفزيون الألماني، وكل من الصحفيين "صخر أبو عون" و"سمير خلفية"، وكان قد سبقهم "منير أبو رزق" مدير مكتب صحيفة "الحياة الجديدة"، وكان المعتقلين من الصحفيين يتعرضون للضرب والإهانة خلال الاعتقال كما أفادت خمس شهادات قدمت "للهيئة المستقلة " في هذا السياق.
والأدهى والأمر هو أن الأجسام النقابية المفترض أن تكون الدرع الواقي والمدافع الأول عن هؤلاء الإعلاميين باتت تشكل جزء من المشكلة بدلاً من أن تكون هي الحل، وقامت هذه الأجسام النقابية بمناصرة السلطة في شقي الوطن لتدعم كل منها طرف ضد آخر في قمع زملائهم الصحفيين لغايات وأهداف شخصية لأفراد قاموا بخطف الأجسام الصحفية ادعوا من خلالها تمثيل الجسم الإعلامي في فلسطين.
وهذا الواقع غير المقبول للصحفيين الفلسطينيين يجب أن يصل نقطة النهاية، وبدون خطوات عملية من الصحفيين باتجاه تغيير هذا الواقع سيرتفع عدد الانتهاكات ضدهم، وتتعاظم سياسية قمع الحريات وتكميم الأفواه.
moh-abuallan@hotmail.com

الأحد، 15 مارس 2009

لماذا الدكتور سلام فياض؟


بقلم: محمد أبو علان:


عندما يحتل الشخص موقعاً عاماً فإنه يصبح محط انتقاد أو تأييد من المجتمع الذي هو من جزء من قياداته، وهذا النقد أو التأييد يجب أن لا يوضع في قالب شخصي، ومن هذا المنطلق وهذا الموقف يجب أن يؤخذ رائيي حول موضوع عودة الدكتور "سلام فياض" من عدمه لرئاسة الحكومة الفلسطينية القادمة في حال كان هناك توافق داخلي فلسطيني.
في الأصل أن يكون رئيس الحكومة ومجلس وزرائه انعكاس لإدارة الشعب السياسية في كافة نظم الحكم الديمقراطية، لكن أن تشكل شخصية سياسية لا تتمتع بأغلبية برلمانية، ولها عضوان فقط في المؤسسة التشريعية صاحبة الحق بمنح الحكومة شرعيتها فهذا أمر غير طبيعي ولا يتوافق مع أبسط قواعد اللعبة الديمقراطية والسياسية، وهذا هو الحال لدينا نحن الشعب الفلسطيني، الدكتور"سلام فياض" فازت قائمته الانتخابية "الطريق الثالث" بمقعدين في المجلس التشريعي الفلسطيني الأخير، كُلف لتشكيل حكومة فلسطينية في أعقاب الانقلاب الذي قادته حركة "حماس" في قطاع غزة في حزيران 2007.
وقد يقول البعض إن نشأت هذه الحكومة جاءت في ظروف غير عادية فليس من المنطق أن تطالب بما تحتاجه الحكومة من ثقة في ظروف طبيعية، فهي جاءت في ظل تعطل المؤسسة التشريعية الفلسطينية، وفي أعقاب حالة اقتتال في غزة لا زال الشعب الفلسطيني يعيش ارتداداتها حتى اليوم، وسيبقى تأثيرها لفترة طويلة أخرى حتى لو نجح الحوار وتمت المصالحة الفلسطينية الداخلية.
وهذا التبرير قد يكون مقبول إلى حد ما لمن يريد أن ينأى بنفسه عن السجالات الدائرة على الساحة الفلسطينية حول أي من الحكومتين هي الشرعية، حكومة "فياض" أم حكومة"هنية"، ولكن لا يمكن القبول بفكرة صلاحية "الدكتور "فياض" لرئاسة أية حكومة فلسطينية قادمة تكون نتيجة توافق وطني بعد حوارات القاهرة، وإن أية حكومة فلسطينية قادمة لن يكون النجاح حلفيها ما لم يكن هو برئاستها.
وأصحاب هذا الطرح ينطلقون من ثلاث نقاط رئيسية، وهي تحقيق حكومة "فياض" للأمن في الشارع الفلسطيني وقضائها على ظاهرة الفلتان والفوضى، ونجاحها بفك العزلة الاقتصادية والسياسية التي فرضت على حكومتي "هنية" المتتالتين، كما استطاعت هذه الحكومة تحقيق الإصلاح في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية.
وإن كنا نوافق على النجاح في موضوع الأمن ومحاربة الفلتان، وعلى توفير الأموال لخزينة السلطة وسد مديونيتها المالية، فإن تحقيق الإصلاح في مؤسسات السلطة الوطنية بشقيها المدني والأمني موضوع فيه وجهات نظر حتى من جهات وعناصر من داخل مؤسسات السلطة المدنية والأمنية، وهذه النجاحات التي يروج لها أنصار فكرة "فياض وبس" يتعاملون مع الأمور بصورة مجردة ومعزولة عن كافة الظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية التي أدت لمثل هذه النجاحات في مسيرة حكومة الدكتور "فياض".
فهذه النجاحات جاءت بالدرجة الأولى نتاج لمواقف سياسية لهذه الحكومة والتي توافقت في مجملها مع شروط اللجنة الرباعية التي رفضتها الحكومة الفلسطينية العاشرة وليس لشخص الدكتور "فياض"، والتي تمثلت بالاعتراف بالاتفاقيات الموقعة والاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف، بالتالي لو التزمت الحكومة الفلسطينية العاشرة بكل هذه الشروط لاستطاعت أن تنجز كل هذه "الإنجازات" التي يتحدث عنها أصحاب فكرة ضرورة عودة الدكتور"فياض" لرئاسة الحكومة القادمة، فالعالم لا يدفع الأموال لاعتبارات شخصية بل هي أموال سياسية تمنح لدعم وتعزيز مواقف معينة تتوافق مع سياسية وشروط المانحين، ومن سيتوافق مع هذه الشروط في المستقبل سيتلقى هذه الأموال بكل تأكيد.
بمعنى آخر تعتبر حكومة الدكتور "فياض" نتاج لواقع سياسي فلسطيني اختلط فيه الحابل بالنابل، وبات الحديث عن صون التشريعات والقوانين وتطبيقها ضربٌ من ضروب الخيال في ظل حجم الدم والدمار الذي زرعته الأطراف المتنازعة على سلطة أحد منا لا يعرف صلاحياتها ولا حدود سيادتها نتيجة السياسيات الإسرائيلية تجاهها، وزوال هذا الواقع الفلسطيني (إن قدر للمصالحة الفلسطينية النجاح) يعني زوال هذه الحالة السياسية التي ترافقت مع هذا الواقع، وعودة الأمور لسياقها الطبيعي في كل ما يتعلق بالحياة السياسية في المجتمع الفلسطيني، ومعالم الحياة الديمقراطية الحقيقية فيه.
moh-abuallan@hotmail.com