الاثنين، 12 يناير 2009

المعركة على أرض فلسطين


عبد الستار قاسم
12/كانون ثاني/2009

الصهاينة يقصفون بكل وحشية وهمجية وهم يعون تماما ما يفعلون. إنهم يقصفون المدنيين بلا رحمة وبلا هوادة، ويهدمون البيوت على رؤوس أصحابها، ويجربون آخر ما توصلت إليه التقنية الأمريكية من مخترعات تدميرية مرعبة. لا يشذ الصهاينة اليهود في هذا عن سيرتهم التاريخية إلا في نقطة واحدة وهي كثافة القصف. لقد قتلوا المدنيين من قبل في فلسطين من أجل الترويع والتهجير، وقصفوا إربد والسلط وبحر البقر واللاذقية وأبوزعبل وعيتا الشعب ومروحين وبيروت، الخ؛ لكن انحطاطهم الأخلاقي يتحول الآن إلى هستيريا انحطاطية، وكأنهم قد فزعوا مما يرون.

هذه معركة تاريخية تؤشر إلى تحولات تاريخية كبيرة ستترك بصماتها على مجمل المنطقة العربية الإسلامية، وعلى سير القضية الفلسطينية. من هذه التحولات، أذكر ما يلي:

أولا: لأول مرة تدور معركة عسكرية حقيقية بين الفلسطينيين وإسرائيل على أرض فلسطين. وقعت معارك سابقة مثل معركة الكرامة، ومعركة الليطاني، لكن هذه المعركة تختلف من حيث أن المقاتل الفلسطيني موجود الآن على أرض فلسطين، وهو يواجه جيشا نظاميا مدججا ويقف ببسالة منقطعة النظير مدافعا عن نقطة ارتكاز استراتيجية لها انعكاساتها على تطور القضية الفلسطينية.
في النظرية الأمنية الإسرائيلية، يجب أن تدور المعارك على أرض العدو، وهذا ما حرصت عليه إسرائيل عبر الزمن. لكن القدرة العربية تطورت مع الزمن حتى باتت الصواريخ تنطلق من أرض العرب نحو فلسطين المغتصبة، وحتى باتت العمليات الاستشهادية تضرب في قلب التجمعات السكانية الصهيونية. اندفع حوالي ربع سكان إسرائيل عام 2006 نحو الملاجئ وجهة الجنوب بسبب صواريخ حزب الله، وما زالوا يحسبون لأيام قادمة ستكون المواجهة فيها أعتى وأشد. أما الآن فالمعركة على أرض فلسطين، الأرض التي تحتلها إسرائيل وتطرد شعبها وتبقيهم في مخيمات التهجير والتشرد. وإسرائيل تعي أن صمود المقاومة الآن يعني أن المعركة القادمة على أرض فلسطين ستكون أعتى وأشد.
إنني على يقين بأن اليوم الذي ستدور فيه المعركة على أرض فلسطين المحتلة/48 ليس ببعيد. زمن الهزائم قد ولى، والمنحنى التنازلي لإسرائيل يهوي بتسارع.

ثانيا: الذين يقاتلون في غزة هم أهل السنة، والذين قدموا لهم الدعم والعون في الغالب هم أهل الشيعة. لقد أسقطت هذه المعركة تماما محاولات إسرائيل والأنظمة العربية لبث الفتنة بين أهل السنة وأهل الشيعة. كثير من الذين يقفون مع إسرائيل في هذه المعركة هم من أهل السنة، وكثير من الذين يقفون مع المجاهدين هم من أهل الشيعة. لقد انحاز كل إلى معسكره، فذهب الشيعي الساقط وحليفه السني الساقط ناحية إسرائيل، وذهب أهل السنة وأهل الشيعة الشرفاء ناحية المجاهدين.
هذه معركة ستخرس معها وبها كل الأصوات التي حاولت تمزيق المسلمين لسنة وشيعة إرضاء لأمريكا وإسرائيل. ولا أظن أن قادة العرب المتآمرين الخونة سيعودون ثانية للضرب على هذا الوتر القبيح كقبح وجوههم.

ثالثا: عانى الفلسطينيون عبر الزمن من مقولة "شعبنا تعب"، وأهدروا بذلك تضحياتهم ودماء شهدائهم. كنا مع كل هبة في وجه إسرائيل ندفع ثمنا باهظا وتضحيات جساما، وكان دائما من يظهر علينا من قادة فلسطين ليقول للشعب بأننا قدمنا الكثير من التضحيات والشعب لم يعد يتحمل، وعلينا أن نتنازل أو نتوقف. حصل هذا عام 1936 عندما أنهت قيادات فلسطين الإضراب لأن الشعب جاع وتعب، وحصل في كثير من الحالات مثل انتقاضة عام 1987. كنا نقدم التضحيات دائما، ولم نكن نكمل المشوار، فظهرت أعمالنا وكأنها ارتجالية فوضوية لا ننال منها سوى الآلام والأحزان. ولهذا بقي الأعداء يذكروننا بهزائمنا المتكررة، ويطلبون منا الجلوس على طاولة المفاوضات لأنها قد تعطينا شيئا نفتقده.
هذه معركة مختلفة. التضحيات عظيمة وكبيرة، والشهداء يتقاطرون، لكن الإصرار على الاستمرار في القتال واضح وجلي وهو عين الصواب. يدرك المجاهدون الآن أن التراخي والتراجع سيصيبنا بالوهن، وسيساهم في تراجع القضية الفلسطينية. بصورة خطيرة. شهداؤنا أعزاء علينا، والدم الفلسطيني عزيز، كما أن دموع الأطفال وأنات الأمهات تضرب في لب قلوبنا، ولهذا علينا أن نعض على الألم بالنواجذ عسى الله أن يأتينا بنصر مبين.

رابعا: لأول مرة يتراجع الكلام الرنان والخطابات المفعمة بالشعارات الجوفاء لصالح إدارة رزينة وهادئة للمعركة. كانت كلماتنا دائما أكبر من حجمنا، وسيوفنا أطول من قاماتنا، أما الآن فالوضع مختلف تماما، والقول للميدان وليس للخطباء على منابر الخشب.

خامسا: أماطت هذه المعركة اللثام كليا عن وجوه قادة عرب كان بعضنا قد خُدع بكلامهم المعسول. قادة عرب وعلى رأسهم الرئيس حسني مبارك قد حسموا أنفسهم لصالح إسرائيل، وهم لا يخفون تعاونهم مع العدو ضد المقاومة الفلسطينية. وعلى المستوى الفلسطيني، هناك من حزم حقائبه مزمعا اعتلاء دبابة إسرائيلية ليعود إلى حكم غزة.

المقاومة صامدة، وستبقى كذلك بإذن الله، وسيكون لصمودها ما يثلج صدور قوم مؤمنين.

نظام مبارك هو عار مصر،


الكاتب: عبد الحليم قنديل
مصادرة العدد الأخير لجريدة صوت الامة بسبب مقال د.عبد الحليم قنديل رئيس تحريرها، وهذا هو نص المقال:

نظام مبارك هو عار مصر، وهو الذي يذلها ويهينها ويدوس أهلها بنعال الأمن المركزي.
وليس صحيحا أن مبارك يسكت علي جرائم إسرائيل، أو أنه يقف علي الحياد، بل هو يحارب مع إسرائيل، ويأتمر بأوامرها، وينفذ ما يملي عليه بالحرف والفاصلة، وقد استقبل« ليفني» التي أعلنت الحرب من القاهرة، وبعد لقاء أسري مع الرئيس مبارك، نفس الرئيس الذي أهانته «ليفني» قبل شهور، ووجهت له اللوم والتأنيب في جلسة شهيرة للكنيست الإسرائيلي، ووصفت عمله في غلق «أنفاق غزة» بالرداءة، وبدت ألفاظها جارحة لرجل في ضعف عمرها، لكن مبارك ابتلع الإهانة كالعادة، ودعا ليفني للقاء خرجت منه مبتسمة، بينما وزير خارجية مبارك يسندها خشية التعثر علي بلاط القصر، وبينما وقف أبوالغيط إلي جوارها كالأرنب المبلول، كانت مجرمة الحرب الإسرائيلية تطلق النفير، وتلعثم أبو الغيط الباهت المرتبك، بينما بدت شجاعته الفأرية ظاهرة في رده علي حسن نصرالله، ونطقه بألفاظ وضيعة ضد السيد الذي جعل الأمة من شيعته، رغم أن أبوالغيط يعرف- والذين عينوه في منصبه- أن ظفر إصبع قدم سيد المقاومة يساوي رأس سيده.
وفي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل عدوانها الوحشي علي غزة، وتهدم كل حجر، وتسعي لقتل كل البشر، كانت قوات مبارك تخوض الحرب ذاتها في القاهرة، وكأنها احتياطي استراتيجي للجيش الإسرائيلي، وتحول وسط البلد إلي ميدان فزع، تنتهك فيه الأعراض، وتدوس علي كرامة المتظاهرين من أجل كرامة مصر، وتختطف العشرات من الصحفيين والناشطين، وتتصرف كعصابة مأجورة، تحشر المختطفين في عربات الترحيلات، وليس لكي تذهب إلي سجن، ولالتنفذ أوامر اعتقال، بل لترمي خيرة شباب مصر في الصحراء، وبذات الطريقة الحقيرة التي تصرفت بها مع عبدالوهاب المسيري زعيم كفاية الراحل، ومع كاتب السطور قبل أربع سنوات، بعدها كانت قوات مبارك تكرر جريمة نابليون الذي دهس بخيله حرم الجامع الأزهر، وتدنس صحن الجامع العريق، وتضرب أنبل أبناء مصر بالنعال، وتعتقل القادة من منازلهم، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله، ولا لشيء إلا لأنهم أعلنوا براءتهم من جرائم نظام مبارك وعصابته، وهتفوا بسقوط مبارك كما هتفوا بسقوط إسرائيل.
نعم، فقد أضاءت نار الحرب ظلام القلوب، ومحت الالتباسات كلها، ومسحت بركة الدم الفلسطيني الغشاوات عن الأبصار، فإذا هي اليوم حديد، وإذا بنظام مبارك قد ضبط متلبسا بالعمالة لإسرائيل، وهي العمالة الموثقة بكلمات مبارك المتلفزة، والتي بدا فيها الرجل شائخا خائر القوي، وحرص علي طمأنة إسرائيل بأنه ينفذ الأوامر، وأنه لن يفتح معبر رفح بغير رغبة إسرائيل، وإسرائيل لا تريد الفتح الدائم لمعبر رفح، وهي تعرف أن المعبر هو شريان حياة غزة، وأنه كالنيل بالنسبة للمصريين، وأن غلق المعبر كردم النيل، وأن غلق المعبر هو المشاركة الميدانية المباشرة في دعم المجهود الحربي لحصار وقتل الفلسطينيين، وإرغام حماس علي الاستسلام، وهو ما لن يحدث، وحتي لو حملوا نظام مبارك إلي نعشه الأخير، وربما ليس لدي مبارك حيلة في أن يفعل شيئا آخر، فهو يحكم مصر بالغصب، يحكم مصر بغير أدني قدر من الشرعية، يحكم مصر بالتزوير القبيح والفاجر، يحكم مصر كقوة احتلال بمليوني عسكري من قوات الأمن الداخلي، ونظامه يسرق الثروات وينهب الأصول، وليس عنده من فرصة للتصالح مع شعبه، فثمن التصالح أكبر من أن يحتمله، ثمن التصالح أن يخرج مبارك من القصر إلي قفص الاتهام، والذي يخاصم شعبه يعانق عدوه، وهكذا انتهي أمر مبارك ونظامه، فليس له من ملجأ إلا إلي أحضان إسرائيل، وليس له من سبيل إلا كسب محبة إسرائيل طلبا لرضا واشنطن، ليس له من سبيل إلا أن يصادق إسرائيل ويعادي من تعاديه، وأن يخوض معها حربها التي صارت حربه، وأن يدفع نصيبه في دعم المجهود الحربي لتل أبيب، وهو يفعل ما يطلب منه بالضبط، يحمي سفارة إسرائيل وسفيرها خشية من غضب المصريين، ويغلق المعبر لخنق الفلسطينيين، ويصدر الغاز والبترول لإسرائيل، ويزود الجيش الإسرائيلي بطاقة النار اللازمة لقتل الفلسطينيين، وموقف كهذا لايوصف بالصمت أو بالتخاذل، بل هو عين التواطؤ والشراكة الكاملة في الإثم والعدوان، وموقف كهذا لايصح أن ينسب لمصر، بل هو منتهي الإهانة والعداوة لمصر والمصريين، وقد بدت مصر متنبهة متيقظة لما يجري، واكتشفت بعفويتها العبقرية عداوة العصابة الحاكمة للوطن والناس، وخرج ملايين المصريين إلي الشوارع، رجالا ونساء، شبابا وشابات، ومن كل ألوان الطيف، وفي كل عواصم المحافظات، خرجوا يدافعون عن شرف مصر الذي أهانه مبارك، وجعلنا مسخرة العالمين.
والنظام المصري ليس وحده الذي انفضح أمره، فالنظام السوري أسوأ وأضل سبيلا، وكل الأنظمة العربية - بلا استثناء- خانت قضية الأمة، وجعلت القضية الفلسطينية موضوعا للمقايضة، وتعد إسرائيل بالسلام مقابل سلامة الحكام، وبقائهم فوق رقاب الناس ظلما وعدوانا، ولا قيمة لتفرقهم ولا لاجتماعهم، ولا لقممهم عقدت أم لم تعقد، فهم قبض ريح، وأعداء لله وللناس، وحظيرة خنزير أطهر من أطهرهم علي حد وصف صريح قديم للشاعر مظفر النواب، فلسنا بصدد عدو واحد هو أمريكا وإسرائيل، بل بصدد عدو مزدوج، وبصدد حرب مزدوجة، حرب بالسلاح ضد العدو الأمريكي الإسرائيلي، وحرب بالسياسة ضد أنظمة العمالة والقهر والتواطؤ، وأولها نظام مبارك الذي لايصح أن ينسب لمصر، بل ينسب لأعداء مصر والمصريين، فلسنا منه وليس منا، ويعرف المصريون عداوة نظام مبارك، يعرف المصريون أن شهداءهم وغرقاهم في عام واحد يساوون عدد كل شهدائنا في الحروب مع إسرائيل، ويعرف المصريون أن نظام مبارك هو الذي أهانهم وأذلهم وأكرههم علي ما يكرهون، وأن رمي نظام مبارك في مزبلة التاريخ هو الحل، وأن قضية فلسطين هي قضية الوطنية المصرية، وأن جرائم الشراكة مع إسرائيل هي أم الخيانات، وأن قطع يد كل متعامل مع إسرائيل هو أقدس حدود الله والناس، وأن تلويث اسم مصر بشراكة الحرب مع إسرائيل يوردنا موارد التهلكة، ويدنس علم مصر الذي أحرقه غاضبون في عواصم عربية، وتلك خطيئة دفعت إليها الخطايا، فليس علم مصر هو الذي يجوز عليه الحرق، وهو العلم المقدس الذي ماتت دونه مئات ألوف الشهداء دفاعا عن الأمة، بل الذي يستحق الحرق هو صورة الحاكم المغتصب لاسم مصر، فمصر ليست حسني مبارك، بل هي- بالضبط- في موقف العداء لمبارك ونظامه تماما كالعداء لإسرائيل.
ولاسيادة لمصر ولاسيادة للمصريين مع بقاء نظام مبارك، فوجود نظام مبارك في ذاته أعظم إهانة لمصر، وأكبر اعتداء علي سيادتها، والضابط المصري الذي قتل علي الحدود برصاص فلسطيني غاضب مأزوم، هذا الضابط هو شهيد الخطأ، ويستحق مواساة أهله، والدمع علي دمعهم، لكن دمه ليس أقدس من دم عشرات من ضباطنا وجنودنا قتلوا برصاص إسرائيل علي الحدود، ولم يقم لهم نظام مبارك جنازة حارة ولا باردة، ولا حرك ساكنا، وصدرت الأوامر بدفنهم في سرية تامة، وتحت جنح الليل، ولم يذكرهم إعلام العصابة الحاكمة بحرف، لم يتذكرهم كلاب العائلة، ولا استدعوا أهاليهم للشهادة في التليفزيون، وكفوا علي الخبر ماجورا، فهم يعرفون العار الذي يدافعون عنه، ويعرفون أن عصابة الحكم هي المسئولة عن قتلهم، وهي الحقيقة التي يعرفها الشعب المصري المنهوب الثروة والمسفوك الدم، ويحلم
عبدالحليم قنديل يكتب:
kandel2002@hotmail.