الجمعة، 9 يناير 2009

حركة فتح: تشتبك أو تنتهي..


زكـريا محمد
2009-01-09

لم يكن وجود حركة فتح على المحك كما هو الآن.

الحرب على غزة وضعتها على المحك. الحرب الأشد وحشية وضراوة ومن كل الحروب التي شنت على الفلسطينيين وضعت وجود فتح على المحك.

ليس السؤال هو أن تربح فتح أو تخسر، بل أن تظل أو تنتهي.

وهي من سيقرر إن كانت ستبقى أو تنتهي.

إن أصرت على أن لا تشتبك، كما هو الأمر حتى الآن فقد انتهت. إن دخلت الاشتباك ظلت لها فرصة للوجود.

الاشتباك. الاشتباك الوطني مع العدو، ومع غيره من الأعداء، كان مبرر وجود فتح. لم تأتنا فتح لا بنظرية سياسية ولا عقيدة اجتماعية أو غير ذلك. لم تخترع لنا شيئا من هذا. جاءت فقط بالاشتباك. ولدت بالاشتباك عبر (الرصاصة الأولى) ثم عمدت بالاشتباك في (معركة الكرامة). بل يمكن القول ان معركة الكرامة هي شهادة ميلادها الفعلية. لقد عاشت أربعين عاما لأنها اشتبكت في الكرامة.

والآن، ولأول مرة في تاريخها، تقف متفرجة والشعب الفلسطيني يخوض واحدة من معاركه الفاصلة.

تقف كما لو أن الأمر لا يعنيها.

أكثر من ذلك، فإن جزءا لا بأس به من قيادتها يراهن، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أن تنتهي المعركة بانتصاره هو الذي لم يقاتل، وهزيمة من قاتلوا فيها. أي يراهن على انتصار العدو في الحقيقة. لكن الأمور لا تسير على هذا النحو في ما يبدو. إنهم يخطئون كما أخطأوا بخصوص حرب تموز في لبنان. فقد ظنوا أن حزب الله سيكنس، لكنه لم يكنس. وها هم يظنون أن حماس ستكنس، لكنها لا تكنس.

كان مصير فتح على كف عفريت بعد موت عرفات، بعد تسميمه. الكل كان يتوقع أن تتمزق. لكنها تماسكت بفعل الانشقاق الداخلي. تماسكت في وجه حماس. حماس بدت تهديدا للمصالح والتاريخ والمستقبل. حسن جدا، لكن حين يتعلق الأمر بالاشتباك مع العدو في معركة بهذه الجذرية وهذه الضراوة، فلن ينفع تجييش الناس ضد العدو الداخلي. لا ينفع أبدا. فالمعركة الآن مع العدو لا مع حماس، وإما ان تشتبك فتح مع العدو، أو تنتهي.

قيادة فتح، أو الكتلة الرئيسية فيها، اعتقدت أن حماس تقف عقبة في طريق الحل الذي تتلهف عليه. وظنت أن إسرائيل بحربها ستخلصها سريعا من هذه العقبة. لكنها تخطئ خطأ رهيبا بحق فتح. هي لا تدرك أن الاشتباك الوطني عقيدة فتح الوحيدة، وانه هو الذي حماها عبر تاريخها. حماها كحركة وحمى قيادتها، رغم أن اشتباكاتها كانت خاسرة عسكريا في غالبها. كانت فتح تخسر عسكريا وتهزم لكن الناس تقبلها كقيادة. كانت قيادتها تفشل لكن الشارع ينصبها كهيئة أركان. فقد كان يراها قيادة مقاتلة، قيادة اشتباك، ويسامحا على فشلها.

وكانت قوى الإقليم، والقوى الدولية الرئيسية، تحاول، في كثير من الأحيان، كانت إزاحة هذه القيادة، لكنها كانت تفشل لأنها كانت قيادة اشتباك وقيادة معركة. فكلما تعرضت للخطر فتحت معركة مع العدو، واربكت القوى التي تريد إطاحتها.

كان الاشتباك صخرة وجودها.

قيادة فتح الحالية غيرت الأمر.

فهي موجودة الآن بفعل الخارج وإرادته، لا بفعل الناس. أو لنقل أكثر دقة: إنها تستند إلى الخارج في وجودها أكثر مما تستند إلى الداخل. عرفات كان يفرض نفسه على الخارج بقوة الداخل، بقوة إرادة شعبه. لذا لم يكن بحاجة إلى قوة قمعية. القيادة الحالية يفرضها الخارج عموما، لذا فهي تبني قوتها القمعية. لقد تحولت إلى نظام من الأنظمة العربية التي لا يتواصل وجودها بفعل رضا الشعب، بل بفعل رضا الخارج.وقيادة كهذه لن يكون الاشتباك مع العدو ضمن حساباتها. إنه ابعد ما يكون عن فكرها.

وهكذا وصلنا إلى الوضع التالي: فتح، فتح القاعدة، بغالبيتها الساحقة، تحنّ إلى الاشتباك وتتحرق إليه، في حين أن قيادتها لا تتحرك. تتصرف كما يتصرف حسني مبارك تماما. القاعدة حبيسة البلادة وانعدام الأفق الذي فرض عليها. تبكي في قيدها كما بكى أبو محجن الثقفي الحمداني وهو يرى الخيل تندفع بفرسانها نحو المواجهة وهو محبوس أسفل القصر:

كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا
وأتـرك مشدودا علـيّ وثـاقيا
إذا قمت عنّاني الحديـد وغًلّقت
مصاريع دوني قد تصم المناديا

القيادة تمتنع عن الاشتباك، والقاعدة تتلوى من الألم تحرقا إليه. إن نجحت القيادة كتبت نهاية فتح، وإن نجحت القاعدة كتبت لفتح حياة جديدة. مولد فتح الجديد يكون بالاشتباك.

وحين نتحدث عن الاشتباك فنحن لا نتحدث بالضرورة عن الاشتباك العسكري. بل لعلنا نتحدث عن الاشتباك السياسي أساسا. ولم يتبق وقت كثير لدخول الاشتباك. هي أيام أو أسابيع قليلة جدا فقط. ولن تكون هناك فرصة بعدها، لأن المستنكفين عن الاشتباك يكونون قد حرروا وفاة فتح ووفاة منظمة التحرير معها.


الآن، يجب أن تنتقل المواجهة إلى الضفة، ليس لتخفيف الضغط على غزة، بل لحصاد ما بذر من الدم في غزة.

اللعنة، ليس وقف إطلاق النار هو الشعار الذي يجب رفعه الآن، بل شعار إنهاء الاحتلال. الآن، نقول لهم: سنقلب العالم في الضفة، في رام الله بالذات. سنحول ما جرى في غزة إلى نزهة إذا لم ينته الاحتلال، وتزال المستوطنات. ويجب أن يتم هذا سريعا، وسريعا جدا. وعلينا أن نشفع هذا بهدم الجدار بالجرافات، وبمواجهة الحواجز، وحصار المستوطنات.

لقد حلت ساعة المواجهة. وهي حلت لأن غزة صمدت، ولأن العدو يوشك ان يفشل في تحقيق أهدافه.

اللعنة، هذه فرصة لا تحصل أبدا. فرصة تحصل مرة كل مائة عام.

الآن، الآن يجب السير إلى المواجهة، يجب فتح الاشتباك.

وما لم تبادر هذه القيادة إلى الاشتباك فستنتقل المواجهة إلى الضفة بشكل غير منظم. وسيتم استخدام السلاح. يمكن تجنب استخدام السلاح إذا خيضت المعركة السياسية.

وقف إطلاق النار ليس هدفنا، بل وقف الاحتلال.

لكنهم يتبعون مبارك. يتبعون الرجل الأشد بلادة في الكون.

إذا أرادت فتح أن لا تموت، فعليها أن تدفع قيادتها للمبادرة الآن.

إذا أرادت أن لا تصبح حماس بشكل نهائي قيادة الشعب الفلسطيني بلا منازع، فعليها ان تبادر الآن إلى الاشتباك، والاشتباك في الضفة على وجه الخصوص.

لكنني كابن لمنظمة التحرير، أي في نهاية المطاف كابن لفتح، لا أظن أن القيادة ستبادر. فهي قيادة لا تدري شيئا. ورغم أنها من فتح كما يفترض، فهي أبدا لم تحمل روح فتح، روح الاشتباك...


عسكر دولة الاحتلال يبحثون عن صورة النصر في أزقة غزة


بقلم:محمد أبو علان:


ساسة دولة الاحتلال وعسكرها تعلموا درساً من عدوانهم على لبنان في تموز 2006 بعدم الإعلان عن أهداف صريحة وواضحة وقابلة للقياس في حروبهم وعملياتهم العسكرية، وهذا الدرس عكس نفسه بوضوح على أهداف الحرب على غزة هذه الأيام، فمن "سحق حكم حماس في قطاع غزة" تغير الهدف ليصبح " تغير الواقع الأمني في الجنوب"، مضافاً عليه منع تسلح حركة حماس، وكأن حركة حماس ستطلب الإذن إن هي أرادة التسلح، وهذه الأهداف المُعلنة لهذه الحرب تترك الباب مفتوح أمام قادة الاحتلال بسياسيه وعسكرييه بإعلان النصر على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية بالشكل الذي يريدون، بالتالي قد يكون اتفاق هدنة جديد بمثابة نصر في أعين هؤلاء الساسة والعسكر.

ومع مرور الأيام على هذا العدوان الذي امتاز في مجازره ضد الأطفال والنساء والشيوخ، وضد المؤسسات الفلسطينية الحكومية والأهلية والمدنية وبشكل غير مسبوق لم يستطع قادة الاحتلال تقديم ولو صورة جزئية عن تحقيق هدف عسكري واحد حقيقي لهذه الحرب غير المذابح والمجازر والدمار الذي زرع في شوارع وأزقة قطاع غزة وفي مدارسها ومساجدها، ناهيك عن استمرار المقاومة الفلسطينية في إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية وبشكل يومي رغم الدخول البري لقوات الاحتلال إلى مدن ومخيمات قطاع غزة وتجزئته لأجزاء ثلاثة في هذه المرحلة، مما يشير إلى الفشل العسكري في هذه الحرب رغم كبر حجم الدمار والقتل بين المدنيين.

هذا الوضع زاد في تعقيد الأمر لقادة الاحتلال وأدخلهم في أجواء متوترة أقرب ما أن تنفجر سياسياً في وجوههم وهم على أبواب الانتخابات للكنيست الإسرائيلية الثامنة عشر، وبعد أن بدء جيش الاحتلال الاعتراف التدريجي بحجم خسائره في قطاع غزة والذي يحاول التغطية عليها بأخطاء داخلية في صفوف الجيش لكي لا يعترف بقوة وصمود المقاومة الفلسطينية رغم عدم التكافؤ في القوة والإمكانيات.

ومقابل هذا الواقع بات الوسط السياسي والإعلامي منشغل بالحصول على صورة النصر في قطاع غزة وماهية هذه الصورة التي ستكون الدليل القاطع على نصرهم على المقاومة في قطاع غزة، وربما تكون قادرة على إخراجهم من الواقع الحالي، وهناك تباين بين الإعلاميين والسياسيين في هذا الشأن، "جادي سوكيني" مقدم الأخبار في القناة العاشرة الإسرائيلية تساءل إن كان " صورة اعتقال إسماعيل هنيه وجلبه حياً كافية لإعلان النصر على المقاومة هناك"، أم "رؤية مقاتلي كتائب القسام يخرجون بملابسهم الداخلية ورافعي الأيدي تشكل علامة نصر للإسرائيليين.

"روت يرون" شغلت في السابق مهمة الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي رفضت اعتبار مثل هذه الصور كتعبير عن نصر عسكري إسرائيلي في قطاع غزة قائلة :" لا يمكن اعتبار صور مذلة للعدو مؤشرات نصر"، مؤكدة ضرورة "أن تكون الصورة تمثل نجاحات عسكرية وميدانية حقيقية"، القنصل الإسرائيلي السابق في نيويورك ذهب لأبعد من هذا ويرى بصورة الجندي الإسرائيلي الأسير "جلعاد شاليط" وهو يحتضن والدته كصورة نصر حقيقية.

وهذا الأمر الذي يشغل ذهن السياسيين والإعلاميين يشير لبدء تبلور رأي عام بأن هذه الحرب التي شنت على قطاع غزة لن تحقق المُعلن والمخفي من أهدافها كونها أهداف لم تكن واضحة وليست قابلة للقياس بالمفاهيم العسكرية ولا حتى السياسية، فبات السعي لنصر شكلي في هذه المعركة يكون إعلامي أكثر من كونه عسكري هدف إسرائيلي.

ارتكاب المجازر وقتل الأطفال والنساء وهم نيام في بيوتهم لن تساعد دولة الاحتلال في القضاء على المقاومة ولا حتى على وقف إطلاق الصواريخ، وهذا ما يعبر عنه الكثير من الساسة الإسرائيليين، "حاييم مرون" من حركة ميرتس قال" لا نستطيع الاستمرار بالمعركة حتى نصل لآخر صاروخ لدى حماس، والحل يكون باتفاق على وقف إطلاق النار برعاية وحماية دولية"،بمعنى آخر يريدون في دولة الاحتلال قرار من مجلس الأمن الدولي كما كان في عدوان 2006 على لبنان ولكن في الوقت الذي يختارونه هم، ولزرع اكبر قدر من الرعب في صفوف الشعب الفلسطيني، وارتكاب الحد الأقصى الممكن من المجازر ضد المدنيين وتوسيع رقعة الدمار في غزة بالحد الأقصى.

فإن كان القتل والدمار هو من علامات النصر وفق أخلاق جيش الاحتلال الإسرائيلي (وبالتأكيد هي كذلك أخلاقه) فيكونوا قد حققوا النصر علينا بامتياز، أما إن كان الاحتلال يسعى لصورة نصر تمثل القضاء على المقاومة فلن يستطيع الحصول على هذه الصورة لو استمر في مجازره أسابيع وشهور أخرى كون المقاومة الفلسطينية ليست مبنى يهدم وانتهى الأمر، وقد تتراجع المقاومة لفترة زمنية، وقد يخمد نيرانها اتفاق دولي تحت تأثير شلال الدم الفلسطيني النازف، ولكن بكل تأكيد لن يكون مثل الاتفاق كتاب منزل، وسيأتي اليوم الذي تستعيد المقاومة عافيتها.

moh_abualan@hotmail.com