
الإعلام المحلي الفلسطيني ومصيدة التمويل الأوروبي
بقلم: محمد أبو علان:
مؤتمر رام الله لدعم الإعلام المحلي أثار عاصفة بين الإعلاميين الفلسطينيين بين مؤيد وداعم لهذا المؤتمر كونه خطوة في إطار دعم وتطوير الإعلام الفلسطيني، وبين معارض لهذا المؤتمر على اعتبار أنه خطوة للالتفاف على نقابة الصحفيين، ويسعى في الوقت نفسه لتشجيع التطبيع مع الإعلام الإسرائيلي، وإن كانت هذه عناوين الخلاف المعلن عنها، إلا أن ما بين السطور يشير لغير ذلك، وأن جوهر الخلاف هو من يكون المشرف وآمر الصرف للمليون دولار المخصصة لهذا المشروع من الاتحاد الأوروبي وهولندا والتي ستنفق على تطوير الإعلام وتنمية قدرات الإعلاميين الفلسطينيين.
حيث سيشمل هذا البرنامج بالإضافة لتطوير قدرات الإعلاميين إنتاج برامج تثقيفية حول موضوع المرأة والطفل في فلسطين، وإنتاج برامج تلفزيونية ذات علاقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه المواضيع تشكل موضة العصر في فلسطين منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، وتأسيس عشرات المنظمات الأهلية والجمعيات النسوية لهذا الغرض، ورغم مرور ما يقارب الخمسة عشر عاماً على تشكيل العديد من المؤسسات العاملة في هذا الموضوع لم يطرأ تغيرات ملموسة لا على واقع المرأة ولا على واقع حقوق الإنسان في فلسطين، لا بل الأمور في تراجع مستمر رغم مئات المؤتمرات، وآلاف الورش ولقاءات العمل في هذا المجال، والإنجاز الوحيد لهذه المؤسسات هو توفير مئات فرص العمل ليس غير ذلك.
وهاهي قضايا المرأة والطفل والديمقراطية وحقوق الإنسان دخل بها الاتحاد الأوروبي للقطاع الإعلامي ليصبح هذا القطاع جزء من منظمات العمل الأهلي إن هو انخرط بهذا المجال بالكامل، وهذا الواقع الجديد سيفقد هذا القطاع دورة الإعلامي في فلسطين ويحول جزء ليس ببسيط منه لتجار جدد في سوق العمل الأهلي، بدلاً من الاهتمام بالواقع الإعلامي في فلسطين والعمل على تطويريه والسعي للنهوض به وتخليصه من الشوائب التي علقت به على مدار سنوات، والسعي لتشكيل إطار مهني يحميه ويدافع عن مصالحة المهنية وغير المهنية بدلاً من نقابة صحفيين تشكل نقطة خلاف كبيرة بين هيئتها العامة مما يعكس نفسه سلباً على واقع الإعلام والإعلاميين الفلسطينيين.
وما هي نوع الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ينوي الاتحاد الأوروبي تعزيزها في فلسطين عبر دعمه للقطاع الإعلامي؟، أهي الديمقراطية وحقوق الإنسان وفق المفهوم الأمريكي والمطبقة في العراق وأفغانستان، ويسعى لتطبيقها في فلسطين ولبنان، وهل اقتنع الإعلاميين الفلسطينيون بهذا الطرح الأوروبي؟.
أليس هذا هو الاتحاد الأوروبي الذي شارك في الحصار السياسي والاقتصادي على الشعب الفلسطيني في أعقاب الانتخابات التشريعية الثانية في يناير 2006؟، وأخذ يطالب بالقبول بالشروط الإسرائيلية والأمريكية لفك الحصار عن السلطة الفلسطينية، أليس هذا هو الاتحاد الأوروبي الذي يصمت عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني؟، ويرفض حتى إدانة هذه الجرائم وما تطال من قتل للأطفال والنساء، ومن هدم للبيوت وتخريب للأراضي الزراعية، ناهيك عن رفضه إدانة الاستيطان والجدار، في المقابل كان سفرائه وقادته السياسيين يسارعون لإدانة أعمال المقاومة الفلسطينية معتبرينها إرهاباُ، ومعتبرين ممارسات الاحتلال دفاعاً مشروعاً عن النفس.
في ظل هذا الواقع كان بمقدور الإعلاميين الفلسطينيين أن يجعلوا من هذه المؤتمرات تظاهرة إعلامية لحض الإتحاد الأوروبي أن يأخذ مواقف متوازنة على الأقل تجاه قضيتنا الوطنية، إن لم تتوفر لديه الرغبة في دعمنا سياسياً كوننا شعب مُحتل يعاني على مدار ستون عاماً من هذا الاحتلال، وكون الحديث النظري فقط عن حقوق الإنسان والديمقراطية لن تغير في واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي قيد أنمله حتى لو أنفقت مليارات الدولارات ما لم يترافق هذا مع دعم حقيقي لحقوقنا السياسية في المحافل الدولية والمتمثلة بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحق العودة، وحقنا في السيطرة على مواردنا ومعابرنا بالشكل الذي يضمن لنا سيادة حقيقية وحياة كريمة.
فعلى الرغم تواضع الإمكانيات المالية للكثير من وسائل الإعلام المحلية بمختلف أشكالها إلا أنها حققت نجاحات جيدة وأصبحت مصدر إخباري رئيسي للكثير من القضايا والأمور المحلية، بالتالي عليها الحفاظ على جوهرها رغم هذه الإمكانيات المتواضعة، أفضل بكثير من أن تتحول لبرامج ومواضيع تخضع لشروط الممول بالكامل كما هو الواقع في الكثير من مؤسسات العمل الأهلي في فلسطين.
moh_abuallan@yahoo.com




