الاثنين، 23 مارس 2009

عندما سقطت بغداد كنت هناك، (3)


رشيد شاهين


عندما سقطت بغداد كنت هناك،

مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق(3)

ادركنا ان هنالك معركة تدور رحاها قريبا من البيت،


لم يخب ظننا هذا فقد كانت معركة حقيقية وليس مجرد وهم او اشتباه، فبعد ان خرجت الى الشارع لاستطلع الامر وجدت مئات الأشخاص يتراكضون قادمين من جهة الطريق السريع المؤدي الى المطار باتجاهنا، وعندما استفسرت عن الأمر قيل لي بان هنالك إنزال قامت به القوات الأمريكية قريبا من المكان وان معركة حامية الوطيس تقع بين القوات الغازية والعراقيين النشامى.

لقد استمرت المعركة على الطريق السريع المؤدي إلى السيدية والدورة كما إلى المطار أكثر من ثلاث ساعات، لقد كان بالإمكان معرفة كم هو حجم الشراسة في هذه المواجهة، لشدة وكثرة ما تم استعماله من قذائف وإطلاق نار بدون توقف، لقد كانت معركة شرسة وقاسية على ما يبدو سقط فيها العشرات من الضحايا المدنيين والعسكريين والفدائيين كما المتطوعين العرب، كل هؤلاء استماتوا في القتال، وقد أوقعوا خسائر فادحة في الجانب الأمريكي.

كنت أرى الناس يتراكضون في كل اتجاه هربا من جحيم المعركة, وكان الكل يتحدث عن حجم القتل والدمار وشدة القتال، لقد سمعت الكثير من القصص عن البطولة والتضحية والفداء، فقد التقيت بعدد من الفدائيين والمتطوعين العرب الذين شاركوا في تلك المعركة وتحدثت إليهم، لقد كان لديهم إحساس بالنشوة عالٍ برغم كل الخسائر التي وقعت، فهم استطاعوا ان يصدوا احد اكبر الإنزالات التي قامت بها القوات الاميريكية في تلك المنطقة والتي يبدو انها كانت مقدمة للاستيلاء على المطار.

تحدث بعضهم ربما وبمغالاة عن خسائر كبيرة في صفوف الاميريكيين، كانوا يتحدثون بكثير من الاعتداد بالنفس، حيث بدا ان تلك المعركة اعطتهم مزيدا من الثقة على ان بالإمكان مواجهة العدو خاصة في ظل كل ما استعمله هذا العدو من طائرات وصواريخ استطيع ان اشهد عليها، كانوا يتحدثون بإصرار عن مشاركة "السيد الرئيس" في تلك المعركة، كانوا يقولون انه كان على ظهر سيارة رباعية الدفع ويحمل قاذفة آر بي جي وانه شارك معهم في التصدي للقوات الاميريكية لا بل أكدوا انه قاد المعركة حتى النهاية.

لقد اندفع الى المكان مئات العراقيين بعد ان توقف القتال وانسحبت القوات الاميريكية، لقد شاهدت العشرات من الجثث في الشوارع والكثير من الجرحى، ولحسن حظ هؤلاء ان مستشفى اليرموك كان قريبا جدا، لقد تم نقل العشرات ان لم يكن المئات من الجرحى الى تلك المستشفى كما الى غيرها، وقد شاهدت عدة آليات اميريكية لا تزال في ارض المعركة شاهدة على خسائر الاميريكيين، تلك الخسائر التي لم تتحدث عنها القوات الاميريكية.

بعد ان سكتت المدافع بوقت قليل بدأت القوات الاميريكية بدك المنطقة بقذائف من كل الجهات، كان قصفا مجنونا بدا بالنسبة لي وكأنه انتقام من هذه المنطقة التي استطاعت صد الإنزال وإلحاق الكثير من الخسائر في صفوف من شاركوا به، كانت أصوات بعض الانفجارات تصم الآذان وهي ما كان يسمى بالحاويات، واشتد القصف على المضادات الارضية التي كانت منتشرة في المنطقة، كنا نميز الصواريخ من العصف الذي يحدثه مرورها من فوق رؤوسنا، كانت شدة عصف تلك الصواريخ تكاد تسحبنا معها، وقع احد الصواريخ على بيت لا يبعد سوى اقل من خمسين مترا عن البيت الذي التجأنا اليه، قتل من قتل وجرح من جرح ودمر البيت، وسقطت عدة صواريخ على مدرسة قريبة كما سقط أكثر من صاروخ على ما يعرف بالأسواق المركزية في المنطقة، لقد أصبحت المنطقة عرضة لكل أنواع القصف وهذا ما صار يشكل خطورة أخرى وبالتالي دافعا جديدا للتوسل من الأهل والزوجة كما رعب الأطفال بمغادرة المنطقة إلى مكان أكثر أمنا، وهذا ما كنت اعتقده عندما حاولت ان أكون ناصحاً بان الانتقال سيصبح عملية بدون توقف.

هروب آخر

لقد قررنا الانتقال الى بيت صديقي الذي هو في واقع الأمر احد الانسباء، وكان هذا البيت يقع في الرصافة اي في القسم الشرقي من بغداد، وهكذا انتقلنا الى حي اور حيث يسكن أبو علي وهذا هو اسمه، كان يعمل في شرطة النجدة وهو شاب في الثلاثينات من عمره، لقد استقبلنا بكل ترحاب كما هي عادة العراقيين، وأقمنا في بيته حتى انتهت الحرب، كان مسؤولا عن دورية للنجدة وكان القاطع الذي يخدم فيه يقع في نفس منطقة سكنه، وهذا ما أتاح له ان يأتي الى البيت بين الفينة والفينة، كان برفقته اثنين من الزملاء وأحيانا ثلاثة، كانوا يأتون الى البيت لشرب الشاي او تناول وجبة من الطعام.

ما لفت انتباهي هو انهم كانوا يتلقون اوامر من جهة عسكرية ما عبر جهاز اللاسلكي تطلب منهم استطلاع هذه المنطقة او تلك، وعندما استفسرت منه عن تلك النداءات اجابني بان ما يحدث هو انهم يتلقون هذه النداءات من قبل جهاز عسكري لم يسمه، يطلب منهم الانطلاق الى موقع ما في مكان ما لاستطلاع حقيقة المعلومات التي تقول ان هناك اخباريات تشير الى انه قد يكون هنالك انزال معادٍ في تلك المنطقة، وعليه فان على الدورية ان تنطلق الى المكان المشار اليه ومن ثم تعود لتتصل بذاك الجهاز لاعطاء النتيجة، لقد كانت طريقة عقيمة تقليدية وقديمة في الاتصال والاستطلاع خاصة في ظل هذا التقدم في مجال تكنولوجيا الاتصالات، لانه اذا ما ثبت ان هنالك انزال فعلا، فهذا يعني ان العملية المعقدة والطويلة تلك سوف لن تكون عملية في التصدي لأي انزال، ويبدو ان ما كان يقوم به رجال النجدة وصل بطريقة او بأخرى للقوات الاميريكية بحيث صارت سيارات النجدة مستهدفة، وتم قتل الكثير من هؤلاء الرجال من خلال استهداف دورياتهم خاصة في الايام الاخيرة من الحرب.

خلال وجودنا في بيت ابو علي تم استهداف المنطقة في العديد من الغارات خاصة تلك الساحة الفسيحة لتي تتوقف فيها العديد من الشاحنات، لقد تم قصف تلك الشاحنات بشكل وحشي ويبدو ان الاعتقاد الذي كان سائدا لدى الاميريكيين ان تلك الشاحنات تحمل أسلحة او صواريخ برغم انها كانت فارغة، وقد سقط العديد من الصواريخ على المنازل في المنطقة وهذا ما ادى الى سقوط العديد من الأهالي الأبرياء.

الرعاع يتسيدون الموقف

كنت اقيم في الجانب الشرقي من بغداد كما أشرت، عندما بدأت القوات الاميريكية بالدخول الى العاصمة العراقية عصر التاسع من ابريل 2003. لقد كانت تزحف ببطء شديد وبأعداد هائلة وكانت تستقل كل أصناف الآليات العسكرية بينما تحلق الطائرات العسكرية المختلفة في سماء بغداد الجريحة على ارتفاعات منخفضة جدا.

خرجت الى الشارع مثلما فعل الآلاف من أبناء بغداد لاستطلع ما الذي يحدث، كان في المنطقة حيث أقيم، مخازن شاسعة، وللصدق لم اكن اعرف ولم أحاول ان اعرف يوما ما الذي تحتويه تلك المخازن برغم انني كنت قد زرت المنطقة عدة مرات، إلا ان ما شاهدته كان هو ان دبابتين من تلك الارتال الضخمة توجهت الى البوابة الكبيرة التي تقع خلفها تلك المخازن وقامت بدفع البوابة واشار الجنود للناس المتجمهرين في الشارع بان هيا، تعالوا وادخلوا، هيا انهبوا هذه المخازن، وقد هجم من هجم على تلك المخازن، وكانوا كثر ومن جميع الأعمار، الا ان ما لاحظته ايضا، انه وبرغم ضخامة الأعداد التي اتجهت الى تلك المخازن فان اعداد الذين لم يحركوا ساكنا ولم يتوجهوا للاشتراك في عمليات النهب كان اكثر بكثير من اولئك الرعاع الذين شعروا ان الفرصة سانحة للسرقة والنهب والسلب.

لقد كان ذلك هو الجانب المظلم من الصورة، الا ان جانبا اخر من المشهد برغم انه لم يكن بنفس حجم المشهد الداكن، بعث بداخلي الكثير من الامل، فخلال وقوفي اراقب هذا الذي يجري بكل ما فيه من الم، سمعت اثنين من الشبان الذين وجدت نفسي اقف الى جانبهم وهم يتحدثون منتقدين ما يجري، وكان ما اثلج صدري ان احدهم قال للآخر "هؤلاء ليسوا سوى قوات احتلال انهم..." واستعمل شتيمة عراقية معروفة وترك المكان مع رفيقه، عندما سمعت ذلك، لا ادري لماذا شعرت بالسكينة، لقد شعرت ان العراق بخير، وان هذا الاحتلال لا بد سيواجه مقاومة لا حدود لها، فاذا كان هذا راي شاب في مقتبل العمر فان ذلك يعني ان هذا الاحساس لا بد سيكون في قلوب الاف العراقيين وان الامور والمشاعر اذا ما كانت هي هذه منذ الساعات الاولى للاحتلال اذن فنحن لا زلنا والعراق بخير.

لم يكن بالامكان ان استمر في مراقبة ما يحدث، قفلت عائدا الى البيت المؤقت الذي اقيم فيه وكنت اشعر برغبة عارمة في البكاء، ووجدت زوجتي تجهش بالبكاء وتلطم الخدود، فلم استطع الا ان اتمالك نفسي وان ابقي على ما تبقى فيّ من مشاعر الصمود والقوة، لاواسيها واحاول التخفيف عنها لان من غير الممكن ان نتحول جميعنا الى النواح.

قصص الانتقام بدات تتوالى كما بدات عمليات النهب والسلب تطال البيوت السكنية، وبدات عمليات الانتقام سريعا من الرفاق اعضاء حزب البعث بدون تمييز او استثناء، كنت اقيم في بيت هو عمليا قد يكون هدفا لانتقام محدد لان صاحبه كان احد منتسبي قوات النجدة العراقية، وعندما سألته ان كان يريد البقاء او ان يغادر المنطقة اكد لي ان لا اعداء له وان علاقاته مع الجيران من افضل ما يكون، وكنت احاول ان اقنعه بالمغادرة الى المنطقة الغربية من بغداد حيث اسكن وحيث ان لا علاقات لي بالدولة او الحزب، حتى نرى ما الذي ستحمله الايام القادمة، لقد بقينا في حي اور حتى عصر الجمعة الحادي عشر من اذار 2003 عندما قررنا العودة الى شقتنا في الشطر الغربي من العاصمة العراقية.

في طريق العودة ألم وأمل

لقد سلكنا طريقا تمر من امام الجامعة المستنصرية المعروفة، وقد ذهلت من حجم الدمار الذي لحق بهذا الصرح العلمي الكبير ومن حجم الاوراق والكتب الممزقة على جنبات الشارع، لم اصدق ان هذا يمكن ان يحدث لهذه الجامعة، وتوجهنا عبر الوزيرية الى منطقة المنصور وكان الرعاع مستمرون في سرقتهم، فهذا يحمل جهازا للكمبيوتر وذاك يحمل جهازا آخر وثالث يجر على عربة خشبية جهازا للتكييف، وهناك مجموعة تقوم بدفع سيارة مرسيدس يبدو انهم فشلوا في تشغيلها، واخر يحمل اي شيء، وهكذا كان الطريق كله، اناس يحملون كل ما وجدوه في طريقهم، لقد كان اشد ما اثار انتباهي هو ذاك الشخص الذي اقدم على سرقة مولدة كهربائية عملاقة، لقد قام هذا الوضيع بربط المولدة الى شاحنة يقودها بحبل ضخم، وحيث انه لا يملك رافعة فقد كان يجرها على ارضية الشارع ببطء شديد ولا ادري كيف استطاع او من اين حصل عليها.

عندما وصلنا الى ساحة اللقاء الفسيحة والتي تقع بجانب السفارة الاردنية التي تم تدميرها بعد الاحتلال الاميريكي لبغداد من خلال سيارة مفخخة، وفي بداية الخط السريع الممتد على مسافة 550 كيلومتراً باتجاه الحدود الاردنية. لاحظت وجود العشرات من المقاتلين العرب منتشرين في المنطقة، كانوا يحملون البنادق الآلية كما القاذفات من نوع آر بي جي واسلحة من انواع لم اعرفها، كانوا يبعثون الامل في نفوس من كان قلبه على العراق، عند مشاهدتهم تولدت بداخلي مشاعر عدة وشعرت بدموع لا ارادية حارة تسقط على عكس ما اردت ان ابدو عليه من تماسك، وبرغم ذلك فقد كان شعور بالنشوة يدغدغ جانبا اخر مني، منظر المقاتلين هذا، تزامن عن معارك دارت خلال اليومين الماضيين في منطقة الاعظمية الواقعة الى الشمال من بغداد، جعلني اشعر بمشاعر مختلفة ومتناقضة.

لقد دارت في الاعظمية خلال اليومين الماضيين ما قيل انها معارك ضارية استبسل فيها المقاتلون العرب مع رفاقهم من العراقيين الذين استماتوا دفاعا عن هذه المنطقة من بغداد حيث مرقد الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان. لقد استعصت الاعظمية على القوات الاميريكية الغازية منذ ما يزيد على 48 ساعة، ولم تسقط الا بعد عصر الجمعة وبعد ان استعملت القوات الاميريكية كل ما لديها من اسلحة وذخائر، وقد قيل عن تلك المعركة انها دارت من شارع الى شارع، كما قال الكثير ممن شاركوا في تلك المعارك ان الرئيس العراقي قد اشرف على تلك المعارك لا بل وشارك فيها بقوة، ولا غرابة في ذلك فهو كان يعتبر ان هذه المنطقة احد المناطق التي يمكنه اللجوء اليها بقليل من الريبة وكثير من الاطمئنان اذا ما قورنت ببقية المناطق البغدادية، عدا عن انها تقع الى الشمال من العاصمة وهذا ما يجعلها اكثر مناسبة فيما لو فكر بالاتجاه شمالا حيث مسقط راسه وعشيرته في العوجة وتكريت.

وصلنا الى الحي او المجمع السكني الذي نسكن، وكانت حركة السلب والنهب لا تزال مستمرة. لقد هاجم المئات من الرعاع والسراق المخازن الرئاسية التي كانت تجاور الحي، وكان هؤلاء يسرقون كل الاشياء، واستمرت عملية افراغ تلك المخازن اياما عدة، الا انني استطيع ان اقول بانني لم اشاهد اي من ابناء الحي يقومون بسرقة اي شيء سوى احد الاشخاص الذي كان اصلا صاحب سمعة سيئة تتصل بالشرف هو وعائلته منذ وقت بعيد، لقد استمر هذا وابناؤه بنقل ما يستولون عليه الى شقتهم على مدار ايام، اضافة الى شخص اخر حيث قد جلب هذا مولدة كهربائية استخدمها فيما بعد لتزويد الشقق بالتيار الكهربائي خلال فترات الانقطاع المستمرة مقابل اجر طبعا.

ما ان وصلنا الى الشقة

عندما سقطت بغداد كنت هناك(2)


رشيد شاهين :

عندما سقطت بغداد كنت هناك،

الحلقة الثانية

لقد ابتدأت الحرب إذن وهي ستكون قوية شديدة ومرعبة وبدون أدنى شفقة او رحمة، او هذه على الاقل هي الرسالة التي تم إرسالها عبر الغارات الأولى، لقد كنت اشعر بالغضب الشديد كلما انظر في عيون أطفالي أو الأطفال الآخرين الذين أتوا مع أهلهم إلينا من بيوت الجيران، فقد كان هؤلاء يصابون بحالة من الرعب كلما بدأت غارة جديدة، كنت أحاول ان احتضن احد أطفالي- عمر- الذي يركض الي باكيا ومصابا بحالة من الرعب او مرتجفا بصمت قاتل، وكانت الزوجة تحتضن الأصغر وهي طفلة في الثانية من عمرها، أما ولاء ومحمد فكان يتكفل بهما الجيران.

ام محمد في الخمسينات من عمرها كانت إحدى السيدات من بين العديد من الجيران التي التجأت الى شقتنا مع زوجها وأولادها، لا تستطيع السيطرة على نفسها عندما يشتد القصف، كانت تبكي بصوت عال، وهذا ما كان يثير بداخلي شعور مضاعف بالحزن على هذه السيدة، خاصة انها وكما يبدو كانت تسبب حرجا لزوجها وأولادها ببكائها الشديد، لقد كان شعوري بالغضب يزداد على هذا العدوان الذي يسبب كل هذا الهلع والألم.

كان جارنا وليد شاب ضخم الجثة وطيب المعشر ويميل الى النكتة، وبرغم كل ما كان يحدث من قصف ودمار وما نعيشه من وضع مؤلم، الا انه كان لا يتردد في إطلاق تعليق هنا او نكتة هناك، كان وليد الشاب يرتبط بطفلي عمر- أربع سنوات عندئذ- بعلاقة حميمة، وعندما كانت تشتد الغارات ويحوم الموت في أجواء بغداد يقوم وليد بوضع سماعات على أذني عمر ويرفع صوت الموسيقى إلى أعلى مستوى لها كي لا يسمع صوت الانفجارات او هدير القاذفات المرعب، لانها كانت تسبب له حالة من الخوف والهلع وكان هذا ما يزيد من شعوري بالألم والغضب.

برغم كل هذا القصف الذي لم يتوقف على العاصمة العراقية وبرغم حالة الوجوم التي كانت تسود أحيانا لشدة ما يتم إسقاطه على بغداد، إلا أننا- الرجال من سكان العمارة- كنا نجد الوقت الذي نلعب فيه النرد، "الطاولي" على رأي العراقيين، كما كنا نجد الوقت لنتبادل الحديث والنقاش الذي كان دائما متحفظا وضمن حدود المسموح، وإذا ما تجرأ احدنا على التفكير بصوت عال فان ذلك لم يكن ليتعدى التلميح وليس التصريح.

كنا نقيم في احد الأحياء السكنية الواقعة غرب العاصمة بغداد، يقع ما بين حي الجهاد وحي العامل، وهو عبارة عن مجمع سكني يتكون من مئات الشقق التي تم بنائها في الثمانينات من القرن الماضي، وقد كانت شققا مريحة برغم انها مبنية من الاسمنت- الباطون الجاهز- وقد كانت تتميز بالكثير من الخدمات وخاصة وصول الغاز السائل اليها عبر أنابيب، وهذا ما لم ينقطع في تلك الشقق حتى في ظل الحرب وما بعد الحرب، إضافة الى ان انقطاع التيار الكهربائي كان اقل من باقي المناطق والاحياء السكنية المحيطة.

كان الحي يسمى حي صدام السكني قبل سقوط بغداد، وقد تغير اسمه الى حي السلام بعد الاحتلال الأمريكي برغم أنني وكثيرين بقينا على استعمال التسمية القديمة، لقد كان ينقسم الى ساحات على شكل –U- وفي كل ساحة يوجد ثمانية عمارات متصلة لكن بمداخل مستقلة لكل عمارة وتحتوي هذه على ما مجموعه ثمان واربعون شقة.

وحيث ان تلك الشقق كانت مبنية بتلك الطريقة فان تأثير أصوات الانفجارات كان اشد قسوة من تاثيره على المساكن المبنية بالطريقة التقليدية، كنت اشعر في أحيان كثيرة ان القطع المكونة لتلك البنايات سوف تتساقط هكذا كل واحدة على حدة من شدة الارتجاج الذي تحدثه بعض أنواع القذائف، القنابل او ربما الصواريخ فنحن لا نعرف ما الذي يتم إسقاطه على بغداد او بماذا يتم استهدافها.

برغم أجواء الحرب البغيضة الا ان حالة من التوحد غير العادي عمت بين الجيران في الساحات، لقد تشكلت بيننا حالة من الحميمية لا يمكن وصفها، ومع تجمع الجيران في شقتنا كنت اشعر ان هؤلاء صاروا جزءا مني كما صرت جزءا منهم، لقد تطورت علاقاتنا بحيث صار من غير الممكن ان تنفصم عراها، لقد كنا نتشارك الهم والوجع بحالة من التوحد لم أشهدها من قبل، وصار سكان البناية يشكلون وحدة واحدة، لقد صرنا وكأننا عائلة منسجمة الى ابعد الحدود، وقد استمرت تلك العلاقة الى ما بعد الحرب، لقد كنت المس آثارها خلال فترة ما بعد الحرب واحتلال العراق والطريقة التي كان هؤلاء الاخوة من العراقيين يتعاملون معي او مع أطفالي وذلك الحرص والمحبة الذي يولونها لهم، وتوطدت العلاقة بشكل جميل ولا اعتقد انها سوف تتأثر برغم هذا البعد الذي قد يطول الا انني اعتقد انه سيبقى مؤقت برغم طوله.

استمرت الغارات على العاصمة العراقية، ومع كل غارة كانت تقوم بها الطائرات والقاذفات الأمريكية كانت الحالة النفسية للجميع بما في ذلك نحن الرجال تزداد سوءا، الا ان هذا لم يمنعنا من ان نحاول الاستمرار بالعيش في محاولة منا لتنفيس حالة الخوف والاحتقان التي كانت سائدة وخاصة في ظل ازدياد القصف وما يسببه ذلك من هلع.

برغم ان الحرب كانت قد ابتدأت الا ان الحركة في العاصمة لم تتوقف، كان التنقل يتم بشكل شبه طبيعي في شوارع بغداد برغم القصف وبرغم وجود الطائرات في اجواء العاصمة على مدار الساعة تقريبا، الحركة كانت تتم خلال النهار في اغلبها، في اليوم الرابع من الحرب قررت ان اصطحب عائلتي في زيارة الى بيت اهل زوجتي العراقية العربية الاصل والنسب، عندما شاهدت شاحنات عسكرية تقل مئات من الشبان العراقيين الذين كانوا في مقتبل العمر، لقد كانوا في حالة من النشوة والحماس، وكانوا يرددون هتافات حماسية، لقد حاولت ان افهم جيدا ما يقولون وقد سمعتهم يهتفون بشعارات تشيد بالرئيس وتندد بالعدوان وبوش واميريكا.

لقد غمغمت بكلمات عبرت فيها عن الاستياء لأنني اعتقد ان هؤلاء الشبان لا يعلمون إلى اي مجزرة يتجهون، هذه الغمغمة التي قصدت ان تكون نصف مفهومة وصلت الى مسامع زوجتي مفهومة بالكامل لانها تعرف ما الذي يدور في ذهني وما هو موقفي من كل ما حدث ويحدث، وهذا ما لم يعجب زوجتي التي احتجّت على ما قلت، وعندما وصلنا الى بيت اهل زوجتي صار الكل يحتضن الكل مع دمعة تسقط على هذه الوجنة بصمت هنا، ونحيب بصوت عال ومسموع هناك، او دعوات يبدو انها لم تصل الى السماء بان يحفظ الله العراق وأهل العراق، بقينا معظم النهار عندهم، عندما اردنا المغادرة صار الكل يحاول إقناعنا بان نترك الشقة وان نلجأ إليهم، وهذا ما لم اتقبله، وقد حاولت ان اشرح لهم أننا اذا ما بدأنا بالرحيل فهذا لن ينتهي، وسنستمر بالهرب من مكان الى آخر ولسوف نستسهل الهروب وفي النهاية سوف نشعر بالندم، لقد كنت ارى ان زوجتي كما الأطفال يرغبون ان نأتي الى هنا، لا بل شعرت بنظرات من التوسل في العيون، عندئذ لم أرغب بالرد بشكل أكيد ولم اعط جوابا شافيا ذلك انني كنت ارغب ان أرى اين تتجه الأمور.

نزوح قسري

عندما عدنا الى بيتنا او على الأصح شقتنا التي أبقينا على مفاتيحها مع إحدى صديقات العائلة، رأينا ان هنالك ما استجد في الحي، حيث تم وضع العديد من المدافع المضادة للطائرات والتي تعرف بالعراق بال-57 في احدى الساحات المفتوحة المقابلة للشقق وهي لا تبعد عن البنايات السكنية الا اقل من 30 مترا، وكل ما يفصلنا عنها هو الشارع العريض المؤدي الى حي الجهاد.

وجود تلك المضادات بالقرب من الشقق اثار استغرابا وغضبا لدي لكن بشكل صامت، فانا في وضع وبلد يمنع فيها الاحتجاج في ايام السلم فكيف سيكون عليه الحال والبلد في حالة من الحرب الضروس، هذا الشعور المكتوم الذي ادركته زوجتي جاء على خلفية ان لا داع لوضع هذه المضادات في هذا المكان القريب جدا من الشقق، فالجميع مع الدفاع عن بغداد والموت من اجل العراق، لقد كنا نقوم جميعا بتحضير كل الوجبات للرفاق الحزبيين والجيش الشعبي المتخندقين في المنطقة برغم اننا لم نر اي منهم عندما سقطت بغداد، لكن ان توضع هذه المضادات بهذا الشكل فهذا سوف يعرض المنطقة الى قصف محتوم، خاصة وان الحي في وضع ليس بعيدا عن الخطر اصلا، لانه يقع بين مخازن ضخمة من الشرق والغرب وهي مخازن من المعروف انها تابعة للقصر الجمهوري.

لم اكن قد خبرت ان أكون قريبا بهذا الشكل من مضادات الطائرات تلك او غيرها من المضادات، كنت اسمع اطلاقاتها عن بعد وكان صوتها في العادة عاليا جدا، الا انني فوجئت بقوة صوت اطلاقاتها عندما بدأت بإطلاق قذائفها في السماء البعيدة، لقد كانت كما كل المضادات الارضية المنتشرة في العاصمة وفي كل العراق، تطلق اطلاقاتها هكذا بعشوائية وبدون تركيز وعلى لا هدف، لقد اثارت اطلاقاتها حالة من الرعب في نفوس الاطفال والنساء لشدة صوتها، وهي ان لم تشكل خوفا او رعبا فعلى الاقل صار من المستحيل النوم في ظل اطلاقاتها، لقد كانت وكانها تطلق من داخل الشقق.

لم تتوقف المضادات عن العمل طيلة الليل، وما ان اصبح الصبح حتى كان معظم السكان قد اتخذ قراره بمغادرة شققهم، لان الوضع لا يمكن تحمله. قلة هم الذين قرروا البقاء في المكان، وهؤلاء كانوا من العائلات التي ليس لديها اطفال. وهكذا فقد كان علي ان اتخذ قراري كما الاخرين، وفعلا توجهنا في اليوم التالي الى بيت اهل زوجتي في منطقة البياع لتبدأ من هناك رحلة اخرى مع الحرب اللعينة التي ارادها بوش الصغير من اجل السيطرة على نفط العراق وليس من اجل اسلحة الدمار الشامل كما حاول الترويج بشكل ممجوج لم يقنع احدا.

قررنا الانتقال وقد حملنا معنا فقط وثائقنا وقليل من الملابس وقمنا بوداع الجيران الذين كانوا قد قرروا البقاء في المكان وكذلك الذين قرروا المغادرة، كان الجو مشحونا بمشاعر الحزن والاسى العميقين، لقد بكى الجميع واستطاع البعض منا ان يحبس دموعه لكنه لم يستطع ان يخفي المشاعر التي كانت مرسومة على الوجوه وفي النظرات التائهه، أعطينا مفتاح الشقة إلى إحدى الصديقات الكربلائيات والتي كانت مديرة للمدرسة التي يدرس فيها ولاء ومحمد من اجل البقاء في الشقة لأنها تشعر بها بالأمان أكثر مما تشعر به في شقتها الواقعة في الطابق الثاني.

وصلنا إلى بيت أهل زوجتي الذي لا يبعد إلا بضع دقائق بالسيارة، وقد احتفوا بقدومنا برغم ما كنت اشعر به من غصة لهذا الانتقال القسري، كان البيت لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن جسر البياع الواقع على الطريق السريع المؤدي إلى مطار صدام الدولي.

كانت الغارات الغادرة لا تتوقف على العاصمة العراقية، لم يكن بالإمكان النوم بسهولة، فقد كانت المضادات الأرضية تطلق إطلاقاتها بشكل مستمر وهدير الطائرات لا يتوقف، لقد كانت القاذفات الأمريكية الضخمة تحوم حاملة الموت معها، وصار لدينا ما يشبه الخبرة في متى سنسمع الانفجارات ومتى سيتم القصف، كانت القاذفات خلال تحليقها تطلق هديرا مرعبا تهتز له جدران البيوت، كانت تحوم مرتين او ثلاثة حول بغداد قبل ان تفرغ ما تحمل من موت على العاصمة التي كانت تأن بالم تحت تلك الضربات القاتلة، كنا نصعد الى سطوح البيوت لمعرفة آثار الغارات، ونلاحظ سحب الدخان تتصاعد بعد كل غارة. هذا الصعود الى السطح كان لا يعجب زوجتي او أهلها لخوفهم من ان أتعرض لما قد يسقط من القذائف المرتدة من السماء خاصة وان العديد أصيبوا او قتلوا نتيجة تعرضهم لذلك.

لا شك انني لاحظت ان شعورا ربما بالاطمئنان سرى في عروق الأطفال كما الزوجة وأهلها نتيجة لهذا الانتقال من الشقة الى هذا البيت، لقد كان البيت واسعا وكبيرا إلا ان العدد الموجود فيه كان أيضا كبيرا بحيث انه ضاق علينا برغم رحابته، وكانت الأيام تمر متشابهة ورتيبة خلال وجودنا في ملجأنا الجديد.

معركة البياع

يبدو ان هذه الرتابة في سير الايام كان لا بد لها من نهاية، ففي صبيحة احد الايام وعندما كانت الساعة تقترب من السادسة صباحا بدأنا نسمع اصوات قذائف من كل الانواع، لقد كانت قريبة جدا، ادركنا ان هنالك معركة تدور رحاها قريبا من البيت........................

مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق‏


رشيد شاهين:

عندما سقطت بغداد كنت هناك،

الحلقة الأولى

في صبيحة العشرين من آذار 2003 وقبل أربعة أعوام طويلة عجاف أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة بوش الصغير على الهجوم على ارض الرافدين في حرب اتسمت بحقد لا نعتقد بأنه مسبوق في التاريخ الإنساني، وقامت أميركا ومن تحالف معها بحرب مجرمة غادرة أقل ما يمكن أن يقال عنها انها مثلت واحدة من اكبر الجرائم ضد الإنسانية، حرب غير مبررة كانت ضد رغبة العالم اجمع بالتعامل مع المسالة العراقية بطريقة سياسية واستبعاد الحل العسكري خاصة في ظل ما تحرزه فرق التفتيش الدولية المنتشرة في العراق من تقدم. حرب اجمع الكثير من القانونيين في العالم بانها كانت غير شرعية ولا أخلاقية وان كل ما قيل في الإعداد لها لم يكن سوى فبركة وتزوير وقلب للحقائق، وان كل ما ساقه بوش وزمرته المتصهينة ثبت بطلانه ولم تستطع أمريكا برغم كل المحاولات أن تبرز دليلا واحدا على كل ادعاءاتها وتبريراتها من اجل غزو هذا البلد ومن ثم احتلالها واستباحته أمام أعين العالم وضميره الغائب.في كتابهما "حرب العراق" لمؤلفيه وليامسون موراي وروبرت سكايلز جونيور (2004, ص155-156) يقولان "بعد الساعة الواحدة فجر الخميس 20 آذار بتوقيت الرياض تلقى الفريق مايكل موسلي مكالمة هاتفية عاجلة من رئيس الأركان ريتشارد مايرز الذي استفسر إن كانت طائرات أل 117-ف قادرة على مهاجمة هدف منفصل في مدينة بغداد قبل بزوغ الفجر. وقد أجاب موسلي بالإيجاب، إلا انه طلب من مايرز وبكل لطف أن يؤكد له أن الجنرال تومي فرانكس قد علم بذلك، لقد كانت هذه المكالمة إيذانا ببدء الحرب على العراق قبل موعدها المحدد بيوم ونصف اليوم."من المعروف أن الهدف الذي تحدث عنه الكتاب كان الرئيس الراحل صدام حسين كما وبقية أعضاء القيادة العراقية التي اعتقدت القيادة الأمريكية واستخباراتها انهم يعقدون اجتماعا سريا في مكان ما في إحدى ضواحي العاصمة العراقية.ويضيف كتاب حرب العراق "لقد اختير كل من المقدم ديفد تومي والرائد مارك هوهن لتنفيذ المهمة. في الساعة الثالثة والدقيقة الثامنة والثلاثين حسب التوقيت المحلي للكويت انطلق تومي وهوهن في طائرتيهما 117-ف المزودتين بقنبلتين لكل منهما زنة الواحدة تصل إلى 2000 باوند (909 كغم)، وبرغم أن نظام التوجيه قد تعطل في إحدى قنبلتي تومي الا انه عمل جاهدا لإعادة تشغيله، وما أن نجح حتى كان فوق بغداد. وعند الساعة الخامسة والدقيقة السادسة والثلاثين بتوقيت بغداد تمكنت القنابل الأربعة من إصابة الهدف بشكل دقيق." (نفس المصدر ص 156-157).لقد تحدث الكاتبان بنفس الطريقة الاستعراضية التي يتحدث بها رئيسهم الصغير بوش، إنها الثقافة الأمريكية، هكذا هم الأمريكيون حتى ضمن أدبياتهم. الكاتبان لم يتطرقا ولو للحظة واحدة إلى ما سببته تلك الغارات وما بعد تلاها من غارات على مدار أيام الحرب من رعب وخوف لا يمكن تصوره في نفوس الأطفال والنساء، كما لم يتطرقا لاحقا في بقية كتابهم إلى كل الذي حصل في العراق من فوضى ودمار وقتل وإرهاب ومجازر وصلت أعداد الضحايا فيها وبحسب كل المنظمات الدولية إلى مئات الآلاف وفي بعض الأحيان إلى ما يزيد على المليون وهنا الحديث يتم عن الذين قتلوا ولا يشمل الجرحى والمعوقين واليتامى والأرامل وغيرهم. وهو لا يشمل أيضا المهجرين سواء في داخل العراق الذين وصل عددهم إلى ما يزيد على المليونين من العراقيين أو أولئك الذين اضطروا إلى اللجوء إلى خارج البلاد والذين زاد عددهم على الأربعة ملايين من أبناء الشعب العراقي.

كل هذا وغيره من الكوارث الإنسانية والاجتماعية والصحية والبيئية والثقافية والاقتصادية كان نتيجة حرب بوش التي أراد من خلالها إلغاء الدولة العراقية بما فيها من تاريخ وحضارة وشعب عريق من مختلف القوميات والطوائف. كل هذا لم يأت المؤلفان على ذكره وكان معظم ما ركزا عليه خلال كتباهما هو " كيف حارب الجيش الأمريكي" وما عدا ذلك فهو هوامش ولا قيمة له، ربما من الحكمة الإشارة إلى أنهما وحتى يبدو ما جاء في الكتاب بأنه موضوعي أو فيه بعض من الحياد أتيا في قليل جدا من الكتاب على بعض المعارك التي أبدع فيها المقاتل العراقي عندما كانت تتوفر الفرصة له لقتال الأعداء.أما وقد مضى على بداية تلك الحرب اللعينة ستة أعوام طويلة لا بل طويلة جدا، وهي لم تكن فقط طويلة، لا بل كانت مليئة بلحم أجساد أطفال وحرائر العراق وتلونت بلون الدم الذي انسكب في شوارع كل المدن والأرياف العراقية، لقد كانت معظم أيام تلك السنوات مليئة بدم أبناء العراق، كانت حافلة بالقتل والإرهاب، كانت مخيفة خوفا بعيدا عن التصور أو الخيال. لقد مضت تلك السنوات والعيون تراقب وضمائر "لا بد انها ميتة" تتفرج. سنوات كارثية طويلة مرت بكل ما فيها من تفاصيل مرعبة وبكل ما فيها من قتل ونهب وفساد وإفساد واغتصاب وترويع لتكشف الكثير من حضارة بوش وديمقراطيته وحرصه على القيم الإنسانية وجرائم أمريكا.ست سنوات ابتدأت في ليلة العشرين من آذار كانت مليئة بكل أنواع الانتهاكات الوحشية والبربرية لأبسط حقوق الإنسان التي طالما تحدث عنها بوش وزمرته المتصهينة.ست سنوات تخللها اغتصاب للحرائر من العراقيات وذبح لعائلات بأكملها وسطو على تاريخ العراق وحضارته تمثل في المتحف العراقي وسرقة في وضح النهار للمكتبة الوطنية ومكتبة وزارة الأوقاف مرورا بجرائم وفضائح أبو غريب التي أرادت أميركا من خلالها أن تقول إن ديمقراطيتها فعالة، واختزل البعض كل ما حدث في عراق العرب في الكشف عن جرائم أبو غريب، وكأن كل ما حدث في العراق لم يرق إلى تلك الجرائم وان أبو غريب كان الفعل الأكثر قبحا في العراق.
ما يحدث في العراق لا يمكن أن يرقى إلى المعقول، انه يفوق كل تصور، هل بإمكان الواحد منا أن يتخيل انه وبينما يجلس في بيته وبين أطفاله لا يشعر بالأمن والأمان، تخيل انك تعيش في بغداد أو في أي من مدن العراق وأريافه، وان لا احد يمكن أن يمنع أفراد هذه العصابة من اللصوص أو أفراد هذه الميليشيات او تلك من اقتحام البيت عليك ليفعلوا ما يبغون دون أن تقوى على منعهم، فهم بإمكانهم أن يغتصبوا، أن ينهبوا، أن يقتلوا، أن يطردوا أو أن يحرقوا، أي شيء ، نعم إن بإمكان هؤلاء أن يفعلوا أي شيء دون رادع أو وازع، وتخيل بعد هذا كله انك لن تستطيع أن تجد من تذهب إليه لتقدم الشكوى، وان فعلت وذهبت فلن تجد من يسمعك، وان سمعك فانك لا تضمن أن لا يكون هذا الذي تقدمت إليه بالشكوى هو احد أفراد العصابة أو الميلشيا التي اقتحمت منزلك، وعليك حينئذ أن تدفع ثمن شكواك أضعافا مضاعفة.نعم هذه هي العراق التي أراد لها بوش أن تتحرر من "الديكتاتور". انه العراق الذي يتباهى بوش "الصغير كما درج الإعلام العراقي السابق أن يطلق عليه" الذي أراد أن يخلص العالم من زعيمه لأنه يهدد الأمن والسلم العالمي. إن هذا الذي تحدثت عنه هو ما يحدث هناك في عراق العرب، عراقكم، وليس في كوكب آخر.بعد سنوات ستة حزينة بائسة حالكة مكفهرة كانت، لا بد أن استذكر أيام الحرب التي استمرت كسنين لشدة ما شهدناه من رعب وقتل ودمار، لأقول انها كانت مجزرة بكل المقاييس ولقد كتبت حول ذلك كتابا بعنوان – هكذا سقطت بغداد- وجاء في فصل تم تخصيصه ليوميات الحرب على العراق:لم تكن ليلة الخميس العشرين من آذار 2003 في بغداد بشكل خاص وفي العراق بشكل عام كما الليالي التي سبقتها، ولم تكن كتلك التي تلتها، لقد كان الكل في حالة من الحذر والترقب، والجميع يتساءل سواء بالسر أو في العلن، هل سيشن بوش العدوان أم ترى سوف تتأجل الضربات التي لا احد يعلم عنها شيئا إلا بوش وعصابته الآثمة، كثيرون في العراق كانوا في انتظار الضربة، وكثيرون سهروا حتى وقت متأخر ليلة الضربة، ولما ألمّ بهم التعب ذهبوا إلى النوم الذي لم يكتمل كما اشتهوا.ليل العالم في ليلة الخميس تلك لم يختلف كثيرا عن ليل بغداد وليل العراق في الانتظار، سوى ان من ألمّ به تعب انتظار الضربة، ذهب وغطّ في نوم عميق قد يكون استمر حتى الظهيرة أو ابعد من ذلك لو شاء. لقد كان حالي كحال الكثير من العراقيين في تلك الليلة، فقد سهرت بدوري كما سهر الكثير من أبناء العراق حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة على أمل أن أصحو على صبح بغدادي كالمعتاد.كنت أغط في نوم عميق لم تكتمل متعته، فقد صحوت على صوت زوجتي يوقظني وهي في حالٍ من الفزع الشديد تطلب مني أن أرد على الهاتف، حيث شقيقي يخابرني من فلسطين ليسأل عنا وعن أحوالنا، خاصة وان الحرب قد ابتدأت وان بغداد أصبحت تحت القصف الشديد، و بينما كنت أتحدث إليه كنت اسمع أصوات الانفجاريات تتوالى بقوة وهذا ما يؤدي إلى اهتزاز الشقة كما ويتسبب في حالة من الرعب للأطفال الذين أفاقوا أيضا على أصوات الانفجارات الشديدة، لقد كانت الغارة الأولى بعيدة نسبيا كما أخبرتني زوجتي حيث كنت نائما، ولهذا لم اسمعها، الموجات التالية من الغارات كانت أكثر قربا وكانت اشد قوة ربما، أو هذا ما كنا نسمعه على الأقل ربما لأننا لم نعد كما كنا نياما، لست ادري، كل ما اعلمه هو ان الغارات أصبحت أكثر شدة وان صوت الانفجارات صار أكثر قوة.كان أخي لا يزال على الهاتف ويرغب في الاطمئنان ربما أكثر! كنت اشعر بمدى اللهفة في صوته وفي الرغبة لديه ليتحدث أطول فترة ممكنة، لقد كان يقول لي إن ما رآه على الفضائيات مرعبا، وان ما شاهده من انفجارات وقصف ونيران يشبه إلى حد بعيد ما حصل في الحرب الأولى على العراق عام 1991، اعتقد أنني كنت أبادله الرغبة في أن نتحدث طويلا عما يراه ويسمعه – خاصة وان الفضائيات كانت ممنوعة في العراق-، إلا أن شدة الانفجارات وما كانت تسببه من رعب للأطفال وهذا ما يدفعهم للصراخ، كما وان نزول العديد من الجيران إلى شقتنا حيث كنا نسكن في الطابق الأرضي، جعلني استعجل الحديث معه ويبدو انه استلم الرسالة فودعني واقفل الخط.لم يمض وقت طويل على نهاية الإنذار الذي وجهه الرئيس الأمريكي بوش الصغير حتى انقضت على بغداد نيران جهنم، لقد كانت الضربة من القوة بحيث زلزلت البنايات كما هزت الأرض تحت أسرة من ذهبوا إلى نومهم سواء من انتظروا الضربة فسهروا، أو أولئك الذين لم ينتظروا الضربة لأنهم استسلموا لقدرهم، مدركين بوعي او بدون وعي ان الضربة آتية لا محالة، لقد كان لسان حالهم يقول سواء انتظرنا ام لم ننتظر فلا بد منها، إنها قادمة، إن لم يكن اليوم فغدا، لقد كانت الضربات تتوالى بشكل لا يمكن استيعابه ولا يمكن تصوره.كانت الانفجارات تسمع في كل مكان من العاصمة العراقية بغداد، كان من الصعب التركيز على جهة بعينها، فما ان تضرب هذه المنطقة ويحاول الناس معرفة أين وماذا وكيف، حتى تسقط عشرات القنابل أو القذائف أو ربما الصواريخ، لا احد يدري، في مكان آخر قد يكون قريبا أو بعيدا لا فرق، فالضربات متلاحقة وهي كذلك شديدة مرعبة وقاسية بالتأكيد، ولشدتها لا يمكن أن تقدّر على إي بعد أنت منها، فكل أصوات الانفجارات شديدة وكلها تبدو قريبة، وهناك عشرات من أعمدة الدخان المتصاعدة أينما تنظر وحيثما تتلفت، السنة النيران تتصاعد مع كل ضربة، كنت ترى الناس وهم يتساءلون ماذا حصل وما الذي يجري وما العمل؟ إن ما يحدث اكبر من كل تصور. ويتجمع الجيران، والكل يسأل الكل، ترى كيف وماذا وأين وهل؟ وأسئلة كثيرة بدون معنى أحيانا وبمعان كبيرة في معظم الأحيان.لقد ابتدأت الحرب إذن..... نهاية الحلقة الأولى