
بقلم: محمد أبو علان *
عندما أعلنت بعض الأوساط الفلسطينية طلب فك الارتباط بين قطاع غزة ودولة الاحتلال قامت الدنيا ولم تقعد بعد على هذا الطرح، وكأنه لدينا ما سنخسره من فك الارتباط هذا، ومن يستمع للرفض الفلسطيني لهذا الطرح يعتقد للوهلة الأولى أن دولة الاحتلال تزودنا بالكهرباء والدواء والمحروقات والمواد الغذائية مجاناً، والموقف من فكرة فك الارتباط عن دولة الاحتلال يذكرنا بذلك الموقف من إعلان دولة الاحتلال لقطاع غزة كيان معادي، وكأن الوضع قبيل هذا الإعلان كان على ما يرام، وبعد هذا الإعلان ستبدأ غزة وسكانها يعضون أصابع الندم على هذا القرار ألاحتلالي ، متناسين أن الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية وحتى في لبنان غارقين بدماء المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال على مدار ستون عاماً مضت وليس من بعد هذا الإعلان فقط.
وكل الخبراء الاقتصاديين قدروا ومنذ عشرات السنيين أن الاقتصاد الفلسطيني لن ينهض بحاله ولن يتطور ما لم يتم فك الارتباط العضوي مع اقتصاد دولة الاحتلال، شريطة أن تمنح للفلسطينيين حرية الحركة للأفراد والبضائع، ومنح السلطة الوطنية الفلسطينية حرية عقد الاتفاقيات التجارية مع الدول العربية وكافة دول العالم دون إخضاع ذلك للشروط الإسرائيلية المغلفة بحجج أمنية واهية، والهدف الرئيس لهذه الحجج هو الحفاظ على الضفة الغربية وقطاع غزة كسوق مضمون للسلع والبضائع الإسرائيلية.
وجاءت هذه المقدمة للحديث عن اليوم العالمي للتضامن مع قطاع غزة من أجل فك الحصار الظالم عليه والذي مر عليه ما يقارب العامين، حصار أغلقت فيه المعابر، ومنع فيه الدواء والكهرباء والسلع الاستهلاكية عن قطاع غزة، سقط خلاله مئات الشهداء نتيجة العدوان الإسرائيلي المباشر والموازي لهذا الحصار، وفقد العشرات من النساء والأطفال والشيوخ حياتهم لفقدانهم العلاج الصحي الكامل بسبب الحصار وبسبب منعهم من استكمال علاجهم الضروري خارج قطاع غزة، هذا ناهيك عن النقص في الكثير من السلع والحاجات الأخرى الضرورية من غير الكهرباء والماء والدواء، كل هذا يجري في عهد نظام عالمي جديد يتغنى بالقيم الديمقراطية وبالحرية وحقوق الإنسان صباح مساء، يتغنون بهذه القيم وسكان قطاع غزة لا يجدون الأكفان والأسمنت لمواتاهم، يغقدون ملايين الدولارات على مراكز الديمقراطية وحقوق الإنسان ومؤسسات تمكين المرأة في فلسطين ويمنعون عنا المساعدات المخصصة للرواتب والدواء والمياه والكهرباء.
وفي هذا السياق وفي اليوم الذي يحي فيه العالم حملة التضامن مع قطاع غزة لفك الحصار عنها تخرج علينا الولايات المتحدة لتعلن عن مساعدان بعشرات الملايين من الدولارات لتحسين الأوضاع الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا النمط من المساعدات الأمريكية بات كل واحد منا خبير بطبيعتها، فهي تعلن عنها وتدخل الساحة الفلسطينية في جدل طويل حولها وحول أهدافها، وما أن ينتهي الجدل حولها يكون الكونغرس الأمريكي واللوبي الصهيوني فيه قد حجبها لحين تحقيق مجموعة من الشروط، ويبقى الأمر هكذا دواليك دون أن تصل هذه المساعدات الأمريكية، كما أن الولايات المتحدة هي من أقل الدول في العالم التي تقدم المساعدات للشعب الفلسطيني، وإن قدمت تكون مشروطةً بألف شرطٍ وشرط.
وفي هذا اليوم العالمي للتضامن مع قطاع غزة ضد الحصار يجب أن تكون رسالتنا واحدةً موحدة، وعنوانها أن الظروف الإنسانية السيئة في الضفة الغربية وقطاع غزة لن تنهض بها كل الملايين ولا حتى كل المليارات من الدولارات الأمريكية وغير الأمريكية، وذلك لسبب رئيسي وهو أن هذه الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ليست نتاج لأزمة اقتصادية طارئة، لا بل هي نتاج ظروف سياسية سببها الاحتلال الإسرائيلي القابع على صدورنا منذ ستون عاماً، سيطر خلالها على مقدراتنا ومواردنا الاقتصادية، وأعاق حركة الأفراد والبضائع، وارتكب المجازر اليومية ومارس سياسية التهجير ضد شعبنا، ومنعنا من ممارسة حقوقنا السياسية، وبناء اقتصاد وطني حر ومستقل، والمحصلة النهائية لكل هذه الممارسات هو هذا الواقع المر الذي نعيشه يومياً من سوء الخدمات وتراجع الاقتصاد، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة في فلسطين.
فلا حياة كريمة لشعب يرزح تحت الاحتلال، ولا اقتصاد ولا تنمية في ظل الحواجز والحصار وإغلاق المعابر، ومن يريد أن يتضامن مع الشعب الفلسطيني ويقدم له المساعدات يجب أن يكون ذلك وقبل كل شيء المساعدة السياسية الحقيقية في المحافل الدولية والأممية من أجل نيل حقوقه في قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفق المواثيق والقرارات الدولية، والوقوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي وممارساته القمعية ضد الشعب الفلسطيني، بغير ذلك سيكون مفعول هذه المساعدات الدولية كمفعول حبه الأكامول مع الأمراض المزمنة.
*- كاتب من فلسطين
moh_abuallan@yahoo.com
http://blog.amin.org/yafa1948

