الاثنين، 18 فبراير 2008

إلى الكاتب الإعلامي عمر حلمي الغول


بقلم: محمد أبو علان:


لا نريد أن نتحدث في القضايا السياسية لسبب رئيسي واحد وهو أن من يريد التحدث بالسياسية في هذه البلاد كمن يمشي على كومةٍ من الشوك في يومٍ صيفي حار وخاصة إن لم يكن من أحد طرفي الاستقطاب على الساحة الفلسطينية، وعليه أن يختار كلماته وعباراته بعناية فائقة كي لا يجد نفسه محسوباً على أحد الطرفين دون علم أو قرار منه بالتالي نعمل وفق المثل القائل "الباب إلي بيجيك منه الريح سدوا واستريح" .


ولكن هذا يجب أن لا يمنعنا من النقاش والحديث في بعض قضايا الشأن العام والمتعلقة بحرية الرأي وحقوق الإنسان وحرية الإعلام والتي هي نتاج للوضع السياسي القائم ، وتحديداً الموقف من تلك الجرائم والأحداث التي قد تكون نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لما بات يعرف بمرحلة ما بعد الحسم العسكري أو الانقلاب (سموها ما شئتم)، أو حتى بالموقف من بعض القضايا التي سبقت هذه المرحلة.


ودافعي للكتابة لكم هو مقالكم على الصفحة الأخيرة من صحيفة الحياة الجديدة ليوم الأحد 17/02/2008 تحت عنوان"من فَجر جمعية الشبان المسيحية"، في البداية نتفق معكم عن أن هذا العمل مرفوض ومدان، ولن تكفي كل عبارات الإدانة والاستنكار للتعبير عن حجم الإدانة لحرق وتدمير صرح شامخ من صروحنا الوطنية، يعتبر بيت لكل الفلسطينيين مسيحيين كانوا أم مسلمين، وكل إنسان واعي وحريص على المصلحة والوحدة الوطنية يرفض مثل هذه الممارسات التي لا تقدم غير الإساءة لحاضرنا ومستقبلنا، وبكل تأكيد لن تزيد شرف لمنفذيها، بل تلبسهم مزيداً من الخزي والعار أمد الدهر، والحكومة المقالة في قطاع غزة تتحمل مسئولية كبيرة عما جرى من باب كونها الجهة المسئولة عن حفظ الأمن والنظام هناك، ولا أدلة على اتهامكم غير المباشر لها بالوقوف وراء هذا العمل لهذه اللحظة على الأقل، ولحين كشف المجرمين ومحاسبتهم، وبعد أو قرب مقر جمعية الشبان المسيحية من مقر السرايا ليس العامل الحاسم في توفير الأمن لها من عدمه، فكل المؤسسات والأفراد على السلطة المسئولة توفير الأمن والأمان بغض النظر عن شرعيتها من عدمه ما دامت اختارت سدة الحكم.


وبات الفرق الواضح في كتاباتك بعد تجربتك الإعتقالية في سجون الحكومة المقالة، وقد يكون ذلك مستوعب بعد خمسون يوماً من الاعتقال والتعذيب ، اعتقال بكل تأكيد مرفوض ومدان ولا يعبر إلا عن ضيق أفق وعجز من نفذوه في استيعاب فكرة الرأي والرأي الأخر، ورغم بشاعة الاعتقال لم يكن من المفترض أن يصل بك الأمر لرؤية الأمور بعينٍ واحده (وخاصة إنك عشت مرارة تجربة القمع وتكميم الأفواه على جلدك كما يقولون)، أو بالشكل الذي يتناسب وحالة الاستقطاب، إلا إذا كان هناك التزامات تحتم عليك الكتابة بهذا الشكل بحكم موقعك الوظيفي كمستشار لرئيس الحكومة في الضفة الغربية والذي بات له الغلبة على كونك كاتب وإعلامي له أراء معروفة وكانت في مجملها لا تتوافق كثيراً مع المواقف السياسية لكافة الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، ولم تكن تتوافق مع الكثير من السياسيين الذين بت جزءً منهم اليوم.
فكتاب الأعمدة ومقالات الرأي ينظر إليهم كعامل مساهم في الوحدة الوطنية عبر خلق رأي عام وحدوي، رأي عام يرفض الانقسام والتشرذم الذي من شأنه إنهاء أية معالم لقضيتنا الوطنية التي باتت على شفى الهاوية إن لم تكن قد سقطت فعلاً بها، ولكن مع الأسف بات معظم كُتاب الرأي في هذه المرحلة جزء من الأزمة وليس جزء من الحل عبر مقالاتهم اليومية التي لا تثير سوى نعرة التشتت والانقسام، وقسم كبير منهم يحتلون مناصب عليا في المؤسسات الحكومية في جناحي الوطن.


فأنت ترفض سياسية تكميم الأفواه التي تمارسها الحكومة المقالة في غزة، عبر منع الصحف واعتقال الكُتاب والصحفيين والتضييق عليهم، وترفض الاعتقال السياسي وغيرها من أشكال القمع الفكري هناك، ونخن نرفض كل هذه الإجراءات مثلك تماماً وندينها أشد إدانة، ونطالب بحرية الرأي والتعبير للجميع كون هذه الحرية ستكون المدخل لتقريب وجهات النظر في النهاية مهما كانت درجة الحدة الإعلامية والتوتر السياسي في واقعنا الفلسطيني.


إلا أنك في هذا الجانب فقدت دور الكاتب الوحدوي الذي يفترض أن يعزز عوامل الوحدة، وحسمت نفسك بقوة في خانة الاستقطاب السياسي الدائر بين حركتي فتح وحماس، فتناسيت أن هناك صحف منعت من التوزيع في الضفة الغربية منذ أكثر من سبعة شهور تقريباً، وفضائية منعت من البث أيضاً من الضفة الغربية، وهناك صحفيون اعتقلوا، وصحفيون ضربوا بالهروات في ساحة المنارة في رام الله وفي الخليل كذلك، ولم نسمع دعاة الحفاظ على حرية الرأي والتعبير يطالبون بمتابعة هذه الانتهاكات ومحاكمة من وقفوا ورائها سواء كان ذلك بقرار رسمي أو بقرار ميداني لحظي، ففي الحالتين يعتبر هذا انتهاك لحقوق الإعلاميين وحرية التعبير ومطلوب إدانته بقوة، وليس التنكر لبعض الانتهاكات وعد إدانتها، والصراخ ليل نهار بإدانة انتهاكات أخرى فالانتهاكات هي ذاتها الانتهاكات بغض النظر عن الجهة التي وقفت ورائها أو مارستها.


ولك الحق الكامل في تحميل الحكومة المقالة في غزة المسئولية عن جريمة حرق جمعية الشبان المسيحية وغيرها من الجرائم والانتهاكات التي تتم هناك من باب مسئوليتها في المرحلة الحالية عن الأمن في القطاع، ولكن في الضفة الغربية أيضاً حرقت مؤسسات عدة منها مقر المجلس التشريعي في رام الله، ومقر الحكومة اعتدي عليه، ناهيك عن العديد من المؤسسات التابعة لحركة حماس التي أحرقت، وهذه الجرائم أيضاً لم يكشف فاعليها حتى اليوم، ولم تُحمل أية جهة المسئولية عنها، وكما هو في قطاع غزة يوجد عشرات أو مئات المعتقلين في سجون الحكومة المقالة تحت حجج أمنية واهية ومرفوضة، يوجد في الضفة كذلك الكثير من المعتقلين مع الفارق في العدد وتحت نفس الحجج الأمنية الواهية، ونقول حجج أمنية واهية لسبب رئيسي وهو حتى اليوم لم يقدم أيٍ من المعتقلين لمحاكمات ولم تبرز ضدهم أية أدلة من كلا الطرفين.
ورسالتي لكل كُتاب الأعمدة ومقالات الرأي أن يعملوا على خلق رأي عام فلسطيني مناهض ورافض لحالة الاستقطاب في الشارع الفلسطيني من أجل العمل قدر الإمكان على رأب هذا الشرخ الداخلي الذي يتعمق ويتعمق يوماً بعد يوم، ويلعب فيه الإعلام الحزبي وبعض وسائل الإعلام التي تدعي الحيادية الدور الأكبر عبر النقل غير الموضوعي للأحداث، وعبر القدح والذم بالطرف الآخر بسبب وبدون سبب، وبدلاً من أن يسعى بعض الإعلاميين وبعض وسائل الإعلام لخطب وكسب ود السياسيين ونفوذهم، حبذا لو تم إعطاء مساحة أكبر للحديث عن جرائم الاحتلال والشهداء الذين يسقطون يومياً في قطاع غزة والضفة الغربية، وعن مصادرة الأراضي وبناء الجدار، وعن حملة تهويد الأغوار والبدء بنقل مستوطني قطاع غزة، فنقاط الوحدة التي تجمعنا كثيرة إن أردنا الحديث عنها، وأن تمسكنا بالفرقة فسنخلق لها المبررات أيضاً.
· كاتب فلسطيني
·
moh_abuallan@yahoo.com

·
http://blog.amin.org/yafa1948