
قراءة تحليلية للوضع العسكري على جانبي الحدود في غزة
بقلم: محمد أبو علان *
وعند الدخول في قراءة الواقع العسكري القائم على جانبي الحدود في قطاع غزة نرى أن بعض المراقبين والمحللين يقعون في الشرك الإعلامي الإسرائيلي في هذا المجال، فالإعلام الإسرائيلي يخرج علينا مع بعض السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أن الهجمة العسكرية الشاملة على قطاع غزة باتت قاب قوسين أو أدنى، وأخر تسريبات الإعلام والساسة في إسرائيل حول هذا الموضوع أن حكم حماس في غزة سيسقط خلال شهور على أبعد تقدير، والهدف المعلن لهذه الحملة العسكرية هو إيقاف عمليات إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المستوطنات المجاورة، وتحطيم البنية العسكرية لحركات المقاومة، والتخلص من قيادات حماس السياسية والعسكرية.
من الناحية النظرية تعتبر هذه الأهداف منطقية وواقعية حسب وجهة نظر الاحتلال وتفكير قادته العسكريين، وهي ليست بعيدة عن الأهداف التي أعلنها أولمرت قبيل حرب تموز 2006 على لبنان وخاصة إذا أضفنا لها محاولة إعادة الأسير الإسرائيلي لدى حماس جلعاد شليط، وهذا هدف لم تتحدث عنه إسرائيل علانية مع أنها على أرض الواقع تبذل جهود كبيرة وخاصة على الصعيد الإستخباري والذي منيت بفشل ذريع به، ولكن من الناحية العملية لن تكون حملة عسكرية إسرائلية واسعة في قطاع غزة شبيهه بتلك التي نفذت في الضفة الغربية في العام 2002 والتي عرفت باسم السور الواقي لعدة أسباب رئيسة.
العمليات العسكرية الإسرائيلية اليومية في قطاع غزة على الأرض ومن الجو ومن البحر تشكل بمحصلتها النهائية عمليات قتل وتدمير تفوق في عنفها ما نفذ من قتل وتدمير طيلة عملية السور الواقي، حيث أن هذه العمليات مستمرة على مدار الساعة، وتحق "نتائج جيدة" للاحتلال مع كل أسف في تصفية قيادات ميدانية دون عناء مما يظهر حجم الخرق الأمني الذي تعيشه هذه القيادات، وما تصفية القائد الميداني أبو الصاعد في قطاع غزة ساعات قليلة بعد عملية ديمونة الاستشهادية إلا دليل واضح وقوي على حجم هذا الخرق، وتاريخ الاغتيالات التي تمت بهذا الشكل طويل سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.
وبهذا الأسلوب تكون إسرائيل حققت إحدى أهدافها ولو جزئياً في تصفية القادة الميدانيين وبعض خلايا مطلقي الصواريخ دون الدخول لغزة على شكل اجتياح شامل الذي قد يكلفها، لا بل بالتأكيد سيكلفها حياة عدد ليس بقليل من جنودها، والهدف الثاني هو وقف عمليات إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، وهذه المهمة لا زالت إسرائيل تجنى الفشل فيها على مدار أربع سنوات مضت، والحل لوقف هذه الصواريخ تدركه إسرائيل جيداً وهو سياسي، وهذا الحل السياسي يكون بتحقيق معاهدة سلام بين إسرائيل والفلسطينيين وهذا بالطبع يعتبر أمر غير ممكن في المدى المنظور، وحتى غير وارد في الحسبان لدى أي من القيادات الإسرائيلية السياسية منها والعسكرية، والحل السياسي الآخر يتمثل بتحقيق هدنة بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال، وهذا الطرح يراوح مكانه من ناحية الجانب الإسرائيلي، كونها تريدها بالشروط التي تطلب، كل هذا في ظل استعداد المقاومة لتوقيع مثل هذه الهدنة، ولو كان الاحتلال مدرك لوجود حل عسكري ينهي هذه الظاهرة بشكل جذري ونهائي دون احتلال شامل لقطاع غزة لما انتظر كل هذا الوقت الطويل، بالتالي سيستمر هذا الواقع لسنوات طوال دون حل.
أما السعي لتحطيم بنية حماس العسكرية، وتصفية قادتها السياسيين، فهذا هدف دعائي داخلي بالنسبة للساسة الإسرائيليين، فهذا أمر غير ممكن لسببين الأول تحقيق هذا الهدف يتطلب احتلال شامل وكامل لقطاع غزة، وهذا طرح مرفوض إسرائيلياً سواء للسياسيين أو للعسكريين، والسبب الثاني أن المقاومة لا تحتاج لأسلحة ثقيلة ولا تملك لمقاومة الاحتلال فيكفيها السلاح الخفيف خاصة في ظل وجود الاحتلال في حواري وأزقة غزة.
وبالنسبة للهدف غير المعلن وهو استرداد الأسير الإسرائيلي لدى حماس فهذا أمر غير ممكن لعدم وجود الكم الكافي من البيانات الاستخبارية للقيام بعملية تحريره من الأسر، كما أن التجرية الإسرائيلية المماثلة في لبنان لا زال أولمرت وحكومته وجيشه يعانون أشد معاناة من تبعاتها حتى اليوم، وسيعيشونها لفترة طويلة ستترك أثرها على الانتخابات الإسرائيلية القادمة تكون متى تكون.
بالتالي فإن التلويح بعملية عسكرية في غزة هدفها إعلامي، حيث تهدف إسرائيل لجعل المجتمع العالمي يستوعب عملياته الحالية في قطاع غزة ولا يتعرض لها بالإدانة والاستنكار، ويعتبرها رد فعل طبيعي على الصواريخ التي تطلقها المقاومة، وتظهر إسرائيل بمظهر المعتدل في الرد كونها لم تقم بعملية عسكرية كبيرة التي تهدد بها كل الوقت ومنذ شهور، والمحصلة النهائية لهذا الواقع هو استمرار العمليات العسكرية التي تستنزف قطاع غزة شيئاً فشئياً تحت قاعدة من سيصرخ ويستسلم أولاً.
أما ما يصعب فهمه هو الموقف على الجانب الفلسطيني وطبيعة رد المقاومة وعلى رأسها حركة حماس على السيل الجارف لجرائم الاحتلال هناك، ففي كل يوم يمر على قطاع غزة يسقط الشهداء بالعشرات، والرد واحد ووحيد صواريخ تطلق على سديروت، تخلق نوع من توازن الرعب مع المحتل، ولكن لا تخلق توازن ولو جزئي في حجم الخسائر، ولماذا حصر مقاومة الاحتلال عبر الصواريخ التي تطلق على سديروت، ففلسطين محتلة من النهر إلى البحر، ومن يرفع شعار المقاومة عليه أن يشعلها في كل مكان من الأرض المحتلة، ففي العام الماضي لم يكن غير عملية إيلات الاستشهادية، ومن بعدها عملية ديمونة التي تمت قبل أيام، أو بمعنى آخر باتت المقاومة قياساً بالماضي مجرد شعارات، وبالتحديد من اللحظة التي قررت حماس فيها خوض الانتخابات التشريعية لتكون جزء من مكونات النظام السياسي الفلسطيني والقائم بأنظمته وقوانيه وحتى انتخاباته وفق اتفاقيات سياسية ترفضها حماس، وهذا الموقف من حماس يعزز التسريبات التي نشرت سابقاً عن أن العمليات الاستشهادية أوقفت مقابل حماية رؤوس القيادات السياسية للحركة في قطاع غزة، وقيل في حينه أن هذا الاتفاق غير المكتوب قد رعته دولة قطر التي تربطها علاقة طيبة مع الطرفيين الحمساوي والإسرائيلي.
بالتالي على من يتبنون المقاومة كخيار استراتجي لحين تحرير فلسطين أن تكون المقاومة شاملة وعامة، وغير مرتبطة بظرف زماني أو مكاني، فالاحتلال احتلال في كل زمان ومكان، أما المقاومة على جبهات والتهدئة على جبهات أخرى فهذا أمر يصعب فهمه إلا إذا باتت المقاومة وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية على الجبهة الفلسطينية الداخلية وليست وسيله لمقاومة الاحتلال.
moh_abuallan@yahoo.com
* - كاتب فلسطيني مقيم الأرض المحتلة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق