
بقلم عبد الستار قاسم:
إن استمعنا لعدد كبير من المحللين السياسيين الفلسطينيين ولقادة الفصائل الفلسطينية نجدهم مجمعين على أن إسرائيل لا تلتزم بتهدئة ولا بمواثيق وعهود، وأنها دولة عدوانية معتدية لا تكف عن ضرب الشعب الفلسطيني في كل مكان. وإن ثار موضوع التهدئة وإمكانية عقد اتفاقية مكتوبة أو غير مكتوبة بشأنها، نجدهم هم أنفسهم يقبلون عليها ولو بدرجات مختلفة. هناك قناعة حول عدوانية إسرائيل واستمرارها في العدوان، وهناك سلوك عملي يناقضها؛ وهذا بحد ذاته يضع الإنسان الفلسطيني في حالة تمزق: هل نفاوض إسرائيل على الرغم من عدوانيتها، أم علينا أن ندير ظهورنا لفكرة المفاوضات وأفكار التهدئة؟ التجربة التاريخيةجربت الفصائل الفلسطينية اتفاقات التهدئة الشفوية في جنوب لبنان، وفي كل مرة كانت إسرائيل تخرق الاتفاق لأنها ترى دائما أن لديها المبرر الأمني الذي يدعو إلى ضرب الفلسطينيين. وانتهت أفكار التهدئة والهدوء في لبنان إلى حرب عام 1982، وطرد منظمة التحرير من لبنان. جرب حزب الله التهدئة مع إسرائيل بخاصة في تفاهمات نيسان، لكن إسرائيل لم تكن لتلتزم، واستمرت في اعتداءاتها على لبنان وعلى حزب الله. جربت الفصائل الفلسطينية التهدئة عام 2005، لكن إسرائيل أعلنت أنها ليست طرفا فيها، واستمرت تضرب وفق هواها. لم تكن تجربة التهدئة لعام 2008 أفضل حالا إذ لم تحترم إسرائيل توقف الفصائل عن إطلاق الصواريخ.التجربة التاريخية واضحة، وليست بحاجة إلى الكثير من العناء لفهمها. إسرائيل تعتبر أن لها الحق بالدفاع عن نفسها وفق مفهومها هي للأمن بغض النظر عن أي اتفاقيات، وهي ترى أن الآخرين هم المعتدين، في حين أنها هي الحمَل الوديع. بالنسبة لإسرائيل، الآخرون هم الإرهابيون، في حين أنها هي صاحبة رسالة السلام والمحبة. اعتداءاتها مبررة ومشروعة، في حين أن دفاع الآخرين عن أنفسهم عبارة عن جريمة. خطأ التفاوض مع إسرائيلالأمم تفاوض، والمفاوضات عبارة عن وسيلة للتوصل إلى حلول حول مختلف القضايا؛ لكن التفاوض مع إسرائيل عبارة عن حالة خاصة من حيث أن العدو يحتل الأرض ويشرد الشعب ويستمر في القتل والتدمير. لا تترك إسرائيل وسيلة اعتداء إلا وتستعملها ضد الشعب الفلسطيني، وهي تبتكر وتبتدع دائما أساليب جديدة لإلحاق أكبر الأذى بالشعب الفلسطيني. فوق ذلك، هي لا تعترف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، التي هي نقيض وجودها، على الرغم من اعترافها ببعض الحقوق المدنية.ما زال الشعب الفلسطيني في مرحلة البحث عن القوة، ولم يأت اليوم الذي يمارس الشعب الفلسطيني حقه في الجهاد والنضال في الوقت الذي يمكن أن يذهب فيه إلى طاولة المفاوضات. طاولة المفاوضات سواء مباشرة أو غير مباشرة، سواء للتهدئة أو لإقامة الدولة تحتاج إلى قوة لكي يكون لها معنى، والقوة الآن غير موجودة. مرحلة المفاوضات لا تأتي إلا بعدما يكون العدو قد أيقن أن التسليم بالحقوق الفلسطينية أفضل له من ملاحقة الفلسطينين. ومن هنا حتى تلك الدرجة، أمام الشعب الفلسطيني الليالي الطويلة ليسهر ويعمل وينتج ويتدرب ويتنظم.المفاوضات مع إسرائيل الآن عبارة عن اعتراف بها مع العلم المسبق أن قدرة الشعب على انتزاع حقوقه غير متوفرة. أي أن المفاوضات الآن بتعدد أشكالها عبارة عن تسليم للعدو واستجداء لبعض التسهيلات أو لبعض الحقوق المدنية. هذه هي تجربة الفلسطينيين في التفاوض منذ مدريد، وهي تجربتهم أيضا في المفاوضات غير المباشرة لإقامة التهدئة. المفاوضات الآن تنطوي على مبدأ ضمني أو صريح وهو التنازل عن الحقوق الفلسطينية، أو على الأقل الاعتراف بالعدو.حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية وقعت في نفس الخطا الذي وقعت فيه منظمة التحرير، ومن المفروض أن يحاول المرء أو الفصيل دائما الاستفادة من الأخطاء السابقة. المفاوضات غير المباشرة عبارة عن اعتراف بالعدو، وهي عبارة عن خطوة نفسية كبيرة في اتجاه قبول العدو، ورفع مستوى المفاوضات مستقبلا. والجهاد الإسلامي يقع في نفس الخطأ على الرغم من أن حديثه يختلف نوعا ما عن أحاديث الفصائل الأخرى. مفاوضات مدير مخابراتالخطأ الآخر الذي ترتكبه الفصائل الفلسطينية يتمثل في اعتماد مصر كوسيط بينها وبين إسرائيل، واعتماد عمر سليمان مدير المخابرات كدولاب الحركة التفاوضية. مصر دولة عربية تعترف بإسرائيل، وقد أخرجت نفسها تماما من دائرة الصراع منذ زمن، والنظام المصري لا يدخر جهدا من أجل جر كل العرب إلى خندقه السياسي. النظام المصري يسعى إلى التسليم بوجود إسرائيل، والبحث عن حل للاجئين من خلال التوطين، وإقامة كيان فلسطيني يعمل وكيلا أمنيا لإسرائيل. المفاوضات خطأ، وكان من الممكن أن يكون الخطأ أقل حدة لو بحثت الفصائل غن دولة أجنبية لتكون وسيطا.الخطأ يتعمق عندما يكون مدير مخابرات عربي حلقة الوصل وعنوان الحركة. مدراء المخابرات العرب عبارة عن أشخاص منحطين كرسوا جهودهم وأعمالهم لملاحقة الإنسان العربي وقتل شخصيته وإلغائه. تجارب العرب مع دوائر المخابرات العربية مريرة ومقيتة، وجميعنا نعرف أنه لا يلتحق بصفوف المخابرات إلا الذين قرروا مسبقا ان يكون ضد أمتهم، وأدوات للحاكم. عمر سليمان مدير مخابرات يلاحق أحرار مصر، ولا أظنه حريصا على حرية أبناء فلسطين. جر الرجلإن سألت عن المسؤول عن معاناة الناس في غزة في حياتهم اليومية يقول بعضهم إنه الاحتلال، ويقول آخرون إنه حماس. إسرائيل تضغط على الناس من أجل تحميل حماس مسؤولية الحياة الضيقة في القطاع، ومن أجل إثارة الناس ضدها وإسقاطها. ومن أجل التخفيف عن الناس، تبحث حماس باستمرار عن الوسائل والأساليب التي يمكن اعتمادها من أجل التخفيف عن الناس. أي أن حماس مضطرة لتقديم تنازلات مثل التوصل إلى تهدئة من أجل التخفيف من المعاناة اليومية.اليوم يمكن التخفيف عن الناس بالتهدئة، وماذا عن الغد؟ غدا سترفع إسرائيل الثمن، ومطالبها من أجل تزويد الناس بالطعام سترتفع. الضفة الغربية عبارة عن مثل صارخ أمامنا، وعلى السلطة الفلسطينية أمن تكثف من إجراءاتها الأمنية ضد أبناء شعبها من أجل الراتب. فهل ستسير حماس على ذات الخطى، وتصل في النهاية إلى ذات النتيجة؟ من الضروري التفكير في كيفية الخروج قبل أن تغطس الرجل بالمزيد. التهدئة الذاتيةنحن في مرحلة التحرير، وللمقاومة أن تقرر متى تُقدم، وما تهدأ وذلك وفق مال تراه مصلحة شعبها، ووفق إمكاناتها الذاتية. للمقاومة أن تقدر الأمور باستمرار وأن تقومها، ومن ثم ترتب تحركاتها المستقبلية. فإن رأت ضرورة التهدئة فعليها أن تفعل ذلك بدون تفاوض غير مباشر مع العدو، وعليها أن ترفع من مستوى مقاومتها إن رأت الظروف الموضوعية والذاتية مواتية. ومن أجل أن تكون الفصائل فعالة ودقيقة، مطلوب التالي:1- تكوين غرفة عمليات فصائلية مشتركة ذات قيادة موحدة وسرية في مكان سري لإدارة المقاومة.غرفة العمليات المشتركة تقوم على أسس علمية ومهنية، وتنزع عن كل فصيل حرية اتخاذ القرار ذاتيا، وتقلل من درجة المزاودات بين الفصائل.2- تكوين إدارة غير فصائلية في قطاع غزة لتكون مسؤولة عن تسيير الحياة المدنية واليومية للناس، ومنفصلة عن النشاط العسكري والأمني والسياسي. الهدف هو إبعاد الحياة المدنية للناس عن أعمال المقاومة بقدر الإمكان. هذا يجنب الفصائل خطيئة الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع العدو، ويترك للإداريين حرية البحث عن سبل تأمين متطلبات الحياة اليومية للناس. الجمع بين الإدارة والمقاومة عبارة عن خطأ يجب أن يُصحح.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق